الخميس، 3 أبريل 2014

كم أتعبني البحث عنك !!

في رسالته الأولى كتب لي يقول: أعجبت كثيرًا بمقالك اليوم.. شعرت أنه قريب مني، أتمنى لو أتعرف عليك عن قرب.
كانت الرسالة التي وصلتني عبر البريد الإلكتروني، لا تحمل أكثر من توقيع المرسل: علي، لا كلمات أكثر، ولا دلالة على شخص المرسل، تقودني لتحقيق هذا التواصل، وكان أن كتبت الرد على ذات منوال ردودي للرسائل التي تصلني، مرحبا بهذا التواصل، معتبرًا أن اعجاب القارئ بمقالي ما هو إلا مجرد اطراء كبير بحقي، قد لا استحقه.
ثم ضغطت على أمر الإرسال، وعدت أفتح باقي رسائلي الإلكترونية.
***
كانت سعادته كبيرة لا توصف، وهو يقرأ ردي، ويجد اهتمامًا مني برسالته السالفة، أخبرني في رسالة ثانية، أنه يجد البلسم الشافي في الكلمات التي أكتبها، وقال لي عن عشقه بقراءة مقالاتي، ما جعلني أعيد بذاتي هذه القراءة وأحاول اكتشاف ما تحمله من بلسم شفاء أو معاني خفية لم أقصدها، جمعت الكثير من المقالات التي كتبتها في فترات متفاوتة، ورحت اتتبع كل كلمة منها، وأحاول تقمص شخصية الأخر، وهو يتداوى بهذه الكلمات..
كان وصفه ذاك، في نظري، من قبيل المديح الزائد لا أكثر، وأنه يحاول أن يضعني في مكانة لا قبل لي بها، ويدلل على إعجابه بي بطريقة مسرفة الوصف والمعاني.. ولذلك أرسلت له رسالة أخبره أن مجاملته تفوق قدري ومنزلتي.. فما أنا إلا كاتب بسيط، أقتات من هذه الفتاتات.. وليس لي مصدر رزق سواها..
وأضفت: أن طبيعة عملي في الصحيفة هو الكتابة الصحفية بكل أنواعها.. وأنني أحاول أن أطور ذاتي عبر القراءة والكتابة المستمرة.. معتبرا أن اطراءه ذلك، لا ينبغي أن يكون حكما على شخصي الضعيف، حيث إنني ما زلت في البداية.. وأن أمامي طريقا طويلا للوصول إلى صفة الكاتب الذي يقام وزن واعتبار لكتاباته.. وكالعادة ضغطت على أمر الإرسال.. ونسيت أمر الرسالة وصاحبها..
***
كان يمكن له أن يكون قارئا عاديا بالنسبة لي.. وكان يمكن اعتباره من محبي قراءة الصحف كل صباح، وأنه يفتش بين المقالات عما يستهويه من مواضيع، ثم يتسلى بعد ذلك بالكتابة إلى أصحابها، والتباهي بينه وبين نفسه، أنه تعرف على هذا الكاتب أو ذاك، وأنه استطاع أن يوجد تواصلا معه، وأن يتحاور ويتناقش في أمر كتاباته..
كان يمكن اعتباره كذلك.. لولا أن رسالة تالية بعث بها لي، يسألني عن الغياب، وهو الذي أدمن كلماتي، وتداوي بها من أسقامه، قال لي: إنه يقلب صفحات الجريدة كل صباح مفتشا كالمجنون عن اسمي، حتى إذا ما لمحه احتضن الجريدة كعاشق متيم.. وحين لا يجد اسمي، يشتد حزنه، ويكابده الأرق والألم.. كان يرجوني في رسالته تلك أن أواصل الكتابة.. لأنه يريد التعرف علي عن قرب، قال: أريد أن أشعر بوجودك قربي في كل حين، ولا سبيل لي في ذلك غير كلماتك التي تلج بها إلى فؤادي دون استئذان..
وكشأن الرسالة الأولى.. لم تحمل الرسالة الثالثة غير اسمه: علي.
ولم يكن أمامي هذه المرة من وسيلة للتعرف على هذا الشخص.. والتأكد من حقيقته، سوى إرسال عنواني كاملا، متضمنا رقم هاتفي، وقلت له إنني أرحب بالتعرف عليه في أي وقت، وإذا ما كان قريبا من مبنى الجريدة، فإني أتشرف باللقاء به في المبنى، في الوقت الذي يناسبه..
وقبل أن أضغط على أمر الإرسال، كتبت له أيضا أن يرسل لي عنوانه.. واسمه الكامل.. وحتى رقم هاتفه..
وطارت الرسالة.. وهذه المرة، دون أن تطير من بالي.. معانيها.. وصفة صاحبها.. ومن يكون؟..
***
لا أجزم أن مقالاتي التي تنشر في الصحيفة بين الحين والأخر.. يمكن أن تسبب كل هذا العشق في ذات قارئ.. وتجعله يكابد الشوق في سبيلها، كانت معاني الإطراء والاعجاب التي تردني تقابلها على الاتجاه الأخر رسائل استهجان ومقت ورفض للأسلوب والفكرة والمعالجة التي تطرحها.. كنت حين أكتب، إنما أرضي غرور القلم الذي أمسكه، والذي يخال له أنه عارف بخبايا الكلمة، وقادر على سبر أغوارها.. كم حاولت أن ألجم لثامه، وأمسك حينا من الدهر، حتى يشحذ حبره، ويقوى فكره، وتشتد حروفه، لكنه كان ينطلق من يدي كثور هائج لا يهدأ إلا لحظة الكتابة.. ثم إعادة قراءته بعد نشره في الصحيفة.
كنت أجد في أحيان كثيرة صدى لهذه المقالات، صدى يتفاوت بين القبول والرفض.. لم يكن هذا الصدى يتجاوز حدود الرسالة أو الرسالتين.. تحوي بعض المناقشات والرؤى ومن ثم.. يخفت بريق الكلمة بعد حين وجيز.
غير أن علي القادم من المجهول.. المتلبس بالسر الخفي.. يأتيني ليرفع قدر كلماتي.. ويضعها في موضع أغبطها عليه.. وأرمقها بنظرة ريبة وشك حول دلالة ذلك..
كنت أريد الالتقاء به للتعرف على كينونة هذا الشخص، وفلسفته في القراءة والحياة.. كنت أريد الاقتراب من شخصية علي لأتبين حقيقة هذه الشخصية ومدى جديتها في قول ما لا يحتمل قوله.
لكنه في رسائله التالية، كان يتمادى الكشف عن شخصيته، معللا أن الوقت لم يحن بعد، واكتفى بأن يقدم لي نبذة موجزة عنه، ومكان جلسته المفضل.. بين الثامنة والعاشرة مساء أكون متواجدا في آخر طاولة في آخر مقهى في السيتي سنتر.. أتأمل ما حولي، من وجوه، وأعيد قراءة مقالاتك في الصحيفة ـ إن وجدت ـ ثم أخرج إلى الشارع البحري أذرعه مشيا لمدة ساعة، قبل أن أقفل راجعا إلى المنزل.
***
في الساعة ذاتها.. في المكان ذاته، كنت أمرق وجوه المارة بحثا عن ملامح علي، كنت أطبق الوصف والسمة التي أعرفها عن علي من خلال رسائله الإلكترونية إلي، على الجميع دون استثناء، وفي كل وجه، كنت اكتشف بعضا من صورة علي.
في المقهى الذي قال لي إنه يجلس فيه.. طلبت كوب قهوة، تلاه الثاني والثالث، دون أن أتوصل إلى نتيجة، ودون أن أحقق مرادي من هذا البحث عن المجهول الذي أسلك دروبه..
كانت نفسي تحدثني في بعض الأحيان: مالك ولـ(علي).. لو أراد أن يعرفك بشخصيته، لبرز الآن لك، وهو من يراقبك في هذه اللحظة ويتسلى بهذه اللعبة التي يلفها حول عنقك، ويجرك إلى عوالمه دون أن تدري.
لو كان علي شخصا معروفا لك.. لو قال عن شخصيته.. وكشف لك صورته.. لما سعيت إلى لقائه.. وتكبدت كل هذا العناء.. لكنها النفس مجبولة على خوض المجهول.. وعبور خباياه.
كنت أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما أن أمضي في طريق البحث هذا.. أو أنسى علي.. واعتبره وهما لا وجود له، لكن كيف لي ذلك، وأنا الذي أتلقى في كل يوم منه رسالة أو رسالتين، وفي كل مرة تنشر لي الصحيفة مقالا أجد علي أول من يبرق لي إلكترونيا محييا كلماتي.. ومؤكدا أنها تبث في جسده الحياة.. وتساعده على التغلب على مرضه اللعين..
ـ أي مرض تقصد يا علي؟
ـ قال لي الأطباء.. إنني مصاب بتلف في الكبد.. وأملي ضئيل في الشفاء.. وليس من سبيل أمامي سوى نسيان الألم في الأيام الباقية من عمري.. والتزود من بسمات الحياة قدر الإمكان..
كلماته الأخيرة كانت كافية لتقربني من شخصه أكثر وأكثر.. هذه المرة رجوته أن أتعرف عليه عن قرب، وأن ألتقي به، لكنه وككل مرة قال لي: حتما سيأتي الوقت الذي تعرفني فيه.. وسأقول لك عن نفسي كل شيء.. كل شيء..
***
ذات صباح نشرت الصحيفة مقالا لي.. هذه المرة هرعت إلى بريدي الإلكتروني، لأقرأ انطباع علي، ورؤيته حول المقال.. لكنني لم أجد أي رد..
كنت على ثقة أنه يعرف أنني سأنشر هذا اليوم، وقد أخبرته في رسالة سابقة، عن الموضوع، وأعرف أنه في لهفة لقراءة النص، لكن كيف لي أن أعرف ما إذا كانت الصحيفة قد وصلته.. أم لا.. وهو الذي لم يؤكد على ذلك أو ينفي، بما يطمئن قلبي، ويهدئ ظنوني..
في ساعة تالية.. رن هاتفي النقال.. كلمني أحد أطباء المستشفى السلطاني، وأخبرني، عن حالة صديقي الذي لا أعرفه حق المعرفة.. ورغبته الشديدة في لقائي قبل أن .....، كنت في تلك اللحظة مغادرا مبنى الصحيفة متجها إلى سكني عبر الطريق البحري..
صعقتني كلمات الطبيب، وألجمتني حبيس فكر لا أعرف إلى أين يقودني.. دارت بي الدنيا.. وأنا أنظر لـ(علي) في كل مكان حولي.. كان أقرب إلى نفسي مما أتصور، كان علي جزءا من كياني، وهو بعض مني، وأنا أفتش عنه بعيدا عن نفسي، دون النظر إلى موضع قدمي، حيث يقف علي منتصبا في مكانه، يمد ذراعيه ليحتضنني، وأنا أدور في كل الجهات إلا جهة القلب..
آه يا علي..
ألم تكفك كل اللحظات.. لتعرفني بذاتك، غير هذه اللحظة.
هل كنت تخطط لهكذا حدث، وترسمه بحرفية، واقتدار..
هل كنت صنيع كلماتي.. أم كنت كلمات ذاتي التي تشفي الفؤاد لحظة أن ينسكب مدادها على الورقة..
آه يا علي..
تأتيني في لحظة اتسع فيها مدى الكون.. وما عدت أعرف موضعي..
في لحظة الدوران الفلكي.. تلك.. كان صدى حديث الطبيب يتردد على مسامعي..
علي مريض جدا.. هو الآن في العناية.. طلب أن يراك سريعا..
علي..
بعضي..
أنا..
كان عليّ الالتفاف سريعا.. وتعديل مسار سيري جهة الشارع الرئيسي.. هناك غير بعيد مني يتراءى المستشفى السلطاني.. وأنا بين جهات عدة تقودني إليه، دون أن أتمكن من التحليق عاليا والوصول إليه سريعا..
زدت من سرعة سيارتي.. اجتزت المركبات غير آبه بالوميض الذي تطلقه أجهزة رصد السرعة المنصوبة كالفخاخ بين ضفتي الشارع.. كانت نبضات قلبي تسابقني.. والشارع من الازدحام، ما يجعل النار تشتعل في جوفي حريقا.. لا يطفئها إلا لحظة لقاء المجهول، الذي صار أقرب إلى ذاتي من أي شيء..
ركنت سيارتي، دون أن أعير اهتماما للإشارة التي تحذر من الوقوف في ذلك المكان.. هرعت إلى داخل المستشفى.. أصعد السلم سريعا.. أبحث عن غرفة العناية المركزة.. أقرأ الإشارات الدالة إلى مكانها.. أجري بين ممرات المستشفى.. وصولا إلى بوابتها.. هناك أود لو أفتح باب الغرفة على مصرعيه، واحتضن علي، أسأله أن يتشبث بالحياة، كي نكون معا.. وللابـ..
يمرقني طبيب.. أخاله عرفني من نظراتي الواجمة.. من خفقات قلبي المتسارعة.. من الدمع المنحدر من عيني.. من أقدامي التي لم تقدر على حملي.. من كل شيء يرتعش في جسمي..
ـ أنت....؟!.
ـ نعم دكتور.. كيف حال علي؟..
صمت برهة.. إنحدر دمعه هو الآخر.. نظراته أخبرتني بكل ما يود قوله.. هكذا حلق بعضي عاليا دون أن أتمكن من التعرف عليه جيدا..
ـ يمكنك أن تدخل لتلقي نظرة الوداع عليه..
الوداع..
لا يا دكتور..
لا حاجة للوداع.. فنحن لم نلتق بعد..
وخرجت دون أن أحقق الأمنية الأخيرة لصديقي.. والأمنية الأولى لي.. خرجت، وفي قلبي ووجداني يسكن علي، أصبحت الآن أعرفه ويعرفني..
في كل مكان أتوجه إليه.. أجده يلوح لي مرحبا.. ابتسامته المتخيلة لا تفارقني.. ونظرته الحنونة تسكنني..
هذه المرة عبرت الشارع البحري.. دون أن أتجه إلى منزلي.. كنت محتاجا إلى لحظة خلوة مع ذاتي.. ومع طيف علي.. ولم أجد مكانا أفضل من الطاولة الأخيرة في المقهى الأخير من مقاهي السيتي سنتر.
***
عزيزي علي..
اليوم تنشر الصحيفة لي مقالا جديدا..
أعرف أنك تنتظرني بشوق..
لكن شوقي إليك أكبر يا صديقي..
لا يهمني أن أعرف من تكون.. طالما أن قلبك ينبض داخل جسدي.. ورئتي تتنفس هواءك.. فأسكن فيهما خالدا للأبد.

مسقط ـ في 8 نوفمبر 2006م.

الأربعاء، 26 مارس 2014

على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 9 )



أطل من ربوة على صورة القدس ومعالمها، ترفرف الروح في عليائها، وتحتضن كل تفاصيلها، نسمع خفقات قلوبنا ترتج بين الصدور، والأشواق تتطاير لتحط بين القبة والمسجد، وتفتش عن الملامح المألوفة من الصور المتداولة، والذاكرة تستعيد مشاهد سمعتها، أو قرأت عنها.. أهفو لمعانقة كل مشهد هناك يراودني، وتقبيل كل ذرة تراب سكنت حياضها، ويصلني عطرها.
بدت معالم المدينة القديمة واضحة، وأنا أرسل بصري جهة قبة الصخرة، وهي في أحسن ما يكون، تتوسط الصورة وتلهب الأشواق فينا، قريبا منها لاح لي المسجد الأقصى وسور الحرم القدسي الشريف، والطرق الواصلة إليه، وهناك في القريب لمحت دخانا يتصاعد وسط الشارع، عرفت أن هذا المشهد اعتياديا في مدينة محتلة، يمارس فيها الاحتلال ابشع أنواع القهر والتسلط.
أقف بعيدا عن الرفاق، أناجي المدينة في صورتها البانورامية التي تجسدت أمامي، وأرسل بصري ليحط بكل الأمكنة، أستعين بلوحة ابتعتها من رجل قريب من المكان، أبسط اللوحة أمامي، فأجدها باللغة العبرية، أعود للبائع، مفتشا عن لوحة بلغة أفهمها، فلا أجد غير لوحات باللغة الإنجليزية، أختارها، ثم أعود لفك تسميات الأمكنة حسب الرواية الاسرائيلية.
في مدينة كالقدس، لا غرابة أن يمضي التهويد بوتيرة متسارعة، نتيجةً للحالة الرّثة للعالمين العربي والإسلامي وتخليهما عن مسئولياتهما تجاه الأقصى والقدس، فالدولة المحتلة تعمل جاهدة للسيطرة على المدينة المقدسة وتغيير معالمها بهدف تهويدها وإنهاء الوجود العربي فيها، وقد استخدمت لأجل ذلك الكثير من الوسائل وقامت بالعديد من الإجراءات ضد المدينة وسكانها، وكان الاستيطان في المدينة وفي الأراضي التابعة لها أحد أهم الوسائل لتحقيق هدف اليهود الأساسي تجاه مدينة القدس.
قريبا مني بدت "المقبرة اليهودية"، وهي تحكي جزءا من سياسة التهويد الضاربة القدم، تعاظمت بعد نكسة 1967م، وصارت المدينة بكل تكويناتها في دائرة الهدف الاستعماري لدولة الاحتلال، فكان الاستيلاء على البيوت والمنازل وهدم حارة الشرف والمغاربة ضمن سياسة وضع بصمات يهودية بالمكان، في أحداث تغيير للمشهد المكاني. وطال الهدم بدءا من الآثار الإسلامية في منطقة باب المغاربة وتتالت عمليات الاستيلاء على البيوت والمنازل في الحي الإسلامي والحي المسيحي باستخدام القوانين المختلفة لتنفيذ سياسة الخطوة خطوة باقتلاع الفلسطينيين من بيوتهم والاستيلاء عليها، وإحداث تغيير جغرافي وديموغرافي للصالح اليهودي بالبلدة القديمة ضمن مخطط مرسوم للجمعيات الاستيطانية بإقامة ممرات آمنة وتنفيذًا لمشروع القدس عام 2020 والذي يقضي بالتخلص من السكان الفلسطينيين وترحيلهم.
عندما أغلقوا باب قلبي عليّا
وأقاموا الحواجز فيّا
ومنع التجوّل
صار قلبي حارةْ
وضلوعي حجارةْ
وأطلّ القرنفل
وأطلّ القرنفل.
***
نصل منطقة الحرم القدسي الشريف، تتوقف الحافلة في شارع صلاح الدين المقابل لباب الساهرة أحد ثمانية أبواب لمدينة القدس القديمة، أفتح ذراعي ثانية، أستقبل النسمة القادمة من الحرم، احضنها بكلتا يدي، واضمها في صدري، واغيب في الحلم الذي قذفني إلى هذا المكان، لا آبه للمركبات التي تقطع الشارع جيئة وذهابا، احملق في المشهد الماثل أمامي، أراهم يدخلون من الباب تغشاهم السكينة، وتحفهم الرحمة، ويملأ الايمان قلوبهم، أود أن انعتق من صحبة الرفاق، وأكون طائرا، احلق في عرصات المكان، أود أن اسجد على الموضع الذي أقف فيه، أنا الآن قريبا من الحرم القدسي، صرت أقرب إليه من نفسي..
أعبر الشارع، يحاذيني عاصم الشيدي وحاتم الطائي ويسبقنا البقية، وربما لأن أرواحهم أخف منا، وربما لأن قدمي لم تقويا على السير، فتثاقلتا ليعانقا أديم الأرض أكثر، وعيناي انفرطتا من محجريهما، وحلقتا مثل حمامتين تبحثان عن عش يأويهما.
حين تبينت الخيط الأبيض من حلمي، صرخت بملء الصوت.. يا قدس يا مدينة الصلاة..
هتفت بالفرح الهادر في أعماقي.. أنا في حضرة المعراج.. واشتعلت حبا وحنينا..
أمشي كأني واحد غيري. وجرحي وردة
بيضاء أنجيلية. ويداي مثل حمامتين
على الصليب تحلقان وتحملان الأرض
لا أمشي، أطير، أصير غيري في
التجلي. لا مكان ولا زمان.
***
نعبر من باب الساهرة إلى داخل المدينة القديمة، نمشي بين الدكاكين، والدروب العتيقة، يتذكر عاصم الشيدي فيروز، فيسأل عن صوتها، ولماذا لا يسمع هنا "زهرة المدائن" أو "القدس العتيقة"، يجاهر بسؤاله، فيأتيه الجواب من قريب: "أذكر الله"..
ليوم الجمعة في دروب المدينة القديمة نكهة مختلفة عن باقي الأيام، الانتشار الأمني يكون على أشده، وتفتيش الداخلين إلى الحرم القدسي، ومراقبة التصاريح، وفصل الشباب عن الكهول، من الاجراءات التعسفية التي تتبعها سلطات الاحتلال، وما على الراغبين الوصول إلى العتبات المقدسة إلا الرضوخ للواقع.
لم نشعر بكينونتنا، إلا بعدما اجتزنا حواجز التفتيش، وصرنا في باحة الحرم القدسي الشريف.. هناك حطت الأرواح، وشعرنا بالانتصار، والحلم اصبح حقيقة.
تتسابق كاميرات التصوير لتخليد هذه اللحظة الفارقة من حياة كل منا، نهرع لنقترب أكثر، تترآى لنا قبة الصخرة بهيبتها وشموخها، وسطوتها على المكان، نختار الزوايا المناسبة للتصوير، مرافقنا وهو مرشد العتبات المقدسة ينادينا بالاسراع إلى المسجد، والتصوير سيكون له فسحة أخرى.
لا نهتم بطلب مرافقنا التوقف عن التصوير لحظتها للحاق على الصلاة، صوت الآذان المنبعث في تلك اللحظات يشنف أسماعنا، نتوقف خشوعا، أشعر بالدمع ينحدر من الأحداق، أردد مع المؤذن الكلمات، أحول كاميرا الهاتف إلى وضع تصوير مرئي، اطوف بالكاميرا حول المكان.
وحين يصل المؤذن إلى الخاتمة.. تتوحد صورة قبة الصخرة
مع مئذنة المسجد الأقصى.. ثم انضم للرفاق، ونسير إلى ناحية المسجد الأقصى.. وأنا أردد في سري آي الذكر الحكيم (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
يقودنا مرشد العتبات المقدسة إلى ناحية المسجد الأقصى، نعبر السلم الواصل إلى المسجد من ساحة قبة الصخرة، تبدو الصورة هناك أجمل وأشمل، نحاول الوقوف لإلتقاط المزيد من الصور، أسمع مرافقنا وهو يستحثنا، فالخطيب قد أستهل خطبته، والمسجد امتلأ عن آخره..
وبدلا من أن يفترش لنا مكانا في آخر الصفوف، رأيته يسير بنا نحو بوابة صغيرة في الركن الأمامي من المسجد، ومن هناك ندلف إلى ما يشبه غرفة النقل والتسجيل التلفزيوني، ثم بوابة أخرى في الداخل، بعدها نجد أنفسنا نتخطى صفوف المصلين، سيرا للأمام، حتى وصلنا قريبا من المنبر، هناك رأينا مكاننا محجوزا، وقد احيط بشريط، أزاله فور وصولنا، وأومأ إلينا بالجلوس هناك..
أنا الآن في الصف الأول من المصلين، داخل المسجد الأقصى، في يوم مبارك، استمع لخطبة الجمعة، بلباسي العماني، أقف مؤديا تحية المسجد، ونافلة الجمعة، لا أدري كيف أمكنني الوقوف لحظتها، وما الكلمات التي تمتمت بها، والآيات التي قرأتها في صلاتي، اشعر بدمعي ينهال، وقلبي يخفق بالفرح، ويضج صدري بالبكاء..
بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملني الركوع
سألت عن محمد، فيك وعن يسوع
يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء.
***
قدماي تهتز في مكانهما، والروح تنسل من الجسد، أحاول أن أجمع الكلمات، تغشاني الرهبة، وأقرأ أقصر الآيات، أركع.. وفي السجود ألصق جبهتي بفراش الأرض طويلا، أسمع نشيجي، لا أود القيام من مكاني، وقربي من الله تعالى في هذا المكان الطاهر..
يقف الجسد.. وتمتم اللسان بالفاتحة وآي من الذكر الحكيم، أركع ثانية، وأسجد بعدها، ثم أغرق في المكان.. لا أشعر بأي أحد معي.. وحدي هنا، والخطيب يتلو كلماته على مسامعي أنا دون الأخرين، هو يمتدح الحجاج العائدين من بيت الله الحرام، ويثني على أداء مناسك حجهم، ويدعو الله أن يتقبل منهم، وأن يخلص المسجد الأقصى من قبضة اعداء الله.. وأن يحل الأمن والسلام على ربوع أرض فلسطين، وسائر بلاد المسلمين.
نقوم للصلاة بعدها..
لا أعرف ماذا قرأ الامام في صلاته تلك..
كنت معه جسدا، لكن الروح هائمة في المكان، والقلب سكن في المحراب المجاور لي، وأنا أركع وأسجد مع الإمام.. وأدعو الله تعالى أن يتقبل مني، وأن يرزقني العودة إلى هذا المكان، وقد عاد لحياض المسلمين، وآمن أهله على أرواحهم وحرماتهم.
نصلي العصر جمعا، يرتج المكان لصوت "الله أكبر".. ومن ثم نرفع أيدينا للسماء، ونبتهل إلى الله بما تيسر من الدعاء، نلتف بعدها حول مرافقنا مرشد العتبات المقدسة الذي يطلب منا جميعا أن نكون محاذاته، ويأخذنا في جولة داخل المسجد، يبدأ من عند المنبر الذي عاد إلى المسجد الأقصى المبارك في 23/1/2007م، بعد أن أعيد بناؤه في الأردن، بعد جريمة حرق المسجد الأقصى التي قام بها الإرهابي مايكل دوهان في 21 أغسطس 1969م، حيث أتى الحريق حينها على المنبر بأكمله ولم يتبقَ منه إلا قطع صغيرة محفوظة في المتحف الإسلامي في الحرم الشريف.
يقول مرشد العتبات المقدسة: إن المنبر الذي احترق كان بهي الصنعة، شاهدًا على روعة وجمال الفن الإسلامي، وقد صنع خصيصًا في عهد السلطان نور الدين زنكي، ليكون بمثابة تذكار لفتح وتحرير المسجد الأقصى، أما المنبر الجديد فيتألف من 16500 قطعة بعضها لا يتعدى طوله المليمترات، تم تجميعها في بناء طوله ستة أمتار من دون استخدام مواد تثبيت من صمغ أو مسامير أو براغٍ أو غراء، وإنما باستخدام طريقة التعشيق.
ونحن نسير في المصلى، توقف مرشد العتبات المقدسة جهة أحد أعمدة المسجد، وتأكد من وجودنا قربه، وأننا نسمع صوته ونراه، ثم بدأ حديثه بعد تنهيدة ممزوجة بوجع: "هذا ما أهدته لنا أميركا وربيبتها اسرائيل".. قالها وهو يشير إلى مكتبة صغيرة تحوي أنواعا مختلفة من الرصاص وقنابل الغاز التي استخدمتها قوات الاحتلال إبان اقتحامها المسجد.. وغطرستها التي لا حدود لها، واستهتارها بالمقدسات، وازدرائها للأديان، هذه الرصاصات "الأميركية الصنع" شاهدة على التواطؤ الأميركي مع سلطات الاحتلال فيما تقوم به من انتهاكات وجرائم عنصرية بحق القدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك، ضاربة بعرض الحائط كافة الشرائع والاتفاقات الدولية.
فاجأنا
مطر ورصاص. هنا الأرض سجادة، والحقائب
غربة!.
يجيئون،
فلتترجّل كواكب تأتي بلا موعد. والظهور التي
استندت للخناجر مضطرة للسقوط.
***
في باحة المسجد الخارجية، كان جنود الاحتلال يعبرون بكل عنجهية حتى نقطة حراستهم، عند باب المغاربة، حيث الانتشار الأمني هناك على أشده، وهم يتفرسون في وجوه المصلين، والداخلين إلى الحرم الشريف، ويفتشون عن أي ذريعة لاعتقال أي مشتبه به من وجهة نظرهم، واستصدار حكم بهدم منزله ونفي اسرته، بحجج واهية كثيرة، تهدف أولا وأخيرا افراغ القدس من أهلها، وتغير صبغتها الديمغرافية، وتحويلها من مدينة مقدسة للأديان الثلاث، إلى مدينة يهودية خالصة.
كان منظر الجنود يثير الاشمئزاز فينا، ومع ذلك فقد كنت احملق فيهم، واراقب تصرفاتهم، ولم أخف رغبتي بأخذ صورة تذكارية لهم، ليس حبا فيهم، ولكن توثيقا للحظة مهينة وضع الاحتلال فيها اقدامه على عتباتنا المقدسة، وانتهك حرماتنا، واضطهد وجودنا في أرضنا، وبين مقدساتنا.. وفي المقابل أحسب أن حال الجنود كان كذلك وهم يرمقوننا بنظرة مريبة، تبحث في كينونتنا، وهي تفتش في هيئتنا وملابسنا "العمانية" ما يبدد حيرتهم عنا.
كنا نتباهى بالدشاديش العمانية البيضاء، والمصار المزركشة الملفوفة على رؤوسنا، كتيجان فخر، كما كنا نتفاخر بوصولنا إلى هذه الأرض المقدسة، الكثير من المقدسيين كانوا يعرفوننا بسماتنا، واحتفاؤهم بنا لا تصفه الكلمات، وجدنا عيونهم تفيض من الفرح، وحفاوتهم تستقبلنا في كل زاوية نيمم إليها.
كان مرشد العتبات، يستحثنا المسير، ويطلب منا عدم الاحتكاك بالجنود، حرصا على سلامتنا، وقال إنه سيأخذنا إلى مسجد البراق الذي عبرنا إليه من مدخل قريب من باب المغاربة، وصولا إلى السلم الهابط إلى داخل المسجد.
تقول الروايات: "إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ربط دابته البراق في حائط هذا المسجد في رحلة الإسراء والمعراج"، وهناك على الحائط رأيت الحلقة الحديدية التي يقال إن البراق ربط فيها، ورأيت الرفاق يتناوبون على الامساك بها، وأخذ الصور التذكارية.
وصلينا في مسجد البراق مرة ثانية، وابتهلنا بما تيسر ما الدعاء، وكنت أحوم ببصري في المكان، متنسما روحانية المكان، وقدسية البقعة التي أنا فيها، لكني اعترف أنها لم تكن بروحانية المسجد الأقصى.. لكن المكان بشكله العمومي كان يبعث بالسكينة والطمأنينة، رغم القبضة الأمنية المحكمة لجنود الاحتلال، وتطويقهم المكان من كل ناحية.
في قبة الصخرة، التي انتقلنا إليها بعدئذ، كان بهاء المكان وفخامته مسيطرا علينا، ونحن ندور حول الصخرة المُشرفة التي عرج منها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، هنا في الصورة المتواردة في كل حكايات القدس، وأحاديثها، يبدو هذا المكان الأبرز والأكثر حضورا، ولا يكاد تذكر القدس وتفتح صورها، دون أن تكون قبة الصخرة حاضرة.
استحضر وصف ابن بطوطة لها، وأنا اتذكر صورتها: "أما قبة الصخرة فهي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً، قد توافر حظها من المحاسن، وأخذت من كل بديعة بطرف، وهي قائمة على نشر في وسط المسجد، يصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب، والدائر بها مفروش بالرخام أيضاً، محكم الصنعة، وكذلك داخلها. وفي ظاهرها وباطنها من أنواع التزويق، ورائق الصنعة ما يُعجز الواصف، وأكثر ذلك مغشى بالذهب، فهي تتلألأ نوراً، وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها، ويقْصر لسان رائيها عن تمثيلها".
نطوف في المكان.. ومرشد العتبات المقدسة يخبرنا عن مكونات القبة، وعن الصخرة المعلقة دون عمد، وعن القباب الموجودة فيه، والنقوش التي يحتويها، كان يتعمق في تفاصيل الصورة، ويخبرنا عن كل جزء نأتي عليه، كانت مجموعة من النساء قد توزعن داخل القبة، بين مصلية ومبتهلة.
عند ركن صغير، اشار إلينا مرشد العتبات إلى المكان الوحيد الذي يمكن فيه لمس الصخرة، ورأيتني وقد وقفت مع الرفاق في طابور انتظر دوري للمس الصخرة، وتنسم العطر العالق منها.
وكأنني أشتم رائحة الحجر الأسود في الكعبة المشرفة، رائحة لا تخطئها أنفٌ تنسمت عطر مكة وعبيرها، فمسحت بيدي على وجهي، وأنا اتنفس عبق العطر وشذاه.

للحكاية بقية




 على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 8 )