الاثنين، 29 أبريل 2013

سلام على الأبراج يوم تنهار.. ويوم تندثر!



أحد أبراج سور العقر الذي انهار قبل أيام

 بالأمس القريب انهار واحد من أبراج العقر في نزوى.. البرج الذي قاسى كثيرا قبل أن يستسلم لقدره، ويهوي كما هوت أبراج عدة في حارات نزوى العتيقة.. ومع كل برج يسقط، تسقط ورقة من التاريخ كانت ماثلة للعيان، وشاهدة على مجريات وأحداث خطت فصولها في هذا المكان.
تسقط الأبراج..
شواهد من برج أبي المؤثر
ومعها تسقط ذاكرة، كانت تستظل تحت اسوارها، وتستشهد بها، وهي تتباهى بالذين كانوا هنا، الذين عبروا صباحات المدينة، وسطروا حكاياتهم، لتكون فخرا للأجيال المتعاقبة..
كانت تشمخ رغم تقلبات الزمان وصروفه، وتتباهي أنها الأجمل والأبهي بين المباني القريبة،  وكانت تحرس المدينة كعادتها، دون أن تدري أن بوابات المدينة الأخرى أصبحت مكشوفة، ومشرعة، ولم تعد تغلق كدأبها كل مساء، وأن الأسوار التي تصل بعضها البعض، قد تهاوت، ولم تكن شيئا مذكورا.
لم يخبروا الأبراج، عن سور العقر وما حل به، لم يبق من السور إلا الأطلال.. قالوا: لا تزعجوا الموتى هنا، دعوهم يرقدون بسلام، ولم يعرفوا أن الأبراج كانت تناظرهم في تلك اللحظات، وهم يحطمون بمعاولهم بنيان السور، ويأتون على ما تبقى من أثاره..
اطلال من سور العقر
وسقط سور العقر..
والمدينة تتأهب للإحتفال بكونها عاصمة للثقافة الإسلامية.. بعد زمن وجيز تتسارع ايامه، وتتسابق ساعاته، حتى إذا ما حانت لحظة الاحتفال، قالوا: قد جاءتنا بغتة، وكنا عنها معرضين.
هكذا تم حماية صباح أبي المؤثر من الاندثار..
سيبحثون يومها عن حارة العقر، وعن أسوارها، وأبراجها.. وعن صباحاتها المنسية من ذاكرتهم قبلئذ، وحين لن يجدوها، سيقيموا حفل تأبين لها، ويلقون على أثرها الكلمات الرنانة والخطب البليغة، وسيقولون عن العقر، الكلام المنمق، وسيتحدثون عن جهود البحث عن أثارها، وتتبع حكاياتها، وحدها روح العقر من ستشهد يومئذ على زيف هذا الكلام، ومخالفته للواقع.. وحدها ستضحك كثيرا منهم، وهم منها حيئنذ يبكون.


نزوى ـ السبت 27 ابريل 2013م


السبت، 13 أبريل 2013

الذين نريدهم في "تويتر" !




قبل فترة وجيزة، كتبت "تغريدة" عن بدء قراءتي كتاب لشخصية إعلامية شهيرة، ووضعت نسخة لمعرف هذه الشخصية في تويتر.. لم تمر لحظات، حتى وصلتني رسالة خاصة منه بالشكر على اختيار إصداره، وتمنياته قراءة ممتعة، وجدت نفسي أمام مسئولية لاتمام الكتاب، وبعد ذلك توجهت لهذه الشخصية بسؤال وملاحظة، وكما في المرة الأولى وصلتني الرد الشافي.
في موضع آخر أشرت إلى مسئول خليجي كبير له حساب في مواقع التواصل الاجتماعي، ومتفاعل مع مغردي تويتر، واستفسرت منه عن حادثة ما في بلاده، فوصلني رده خلال دقائق معدودة، قس على هذا ما قام به مسئول خليجي آخر من إعلان التشكيل الجديد لمجلس وزرائه على حسابه في تويتر، وتفاعل رئيس دولة عربية مع مواطنيه وتبيان وجهة نظره حول كل ما يهمهم.
على النقيض من ذلك لدينا، وفي قضية محلية أخذت شد وجذب بين مغردي تويتر، عنونت بعض التساؤلات إلى مسئول كبير معني بهذه القضية، فلم يلتفت لي من بعيد أو قريب.
وهكذا آخال الحال مع باقي المغردين العمانيين الذين استفسروا موقف وزارته، ودورها في حل هذه القضية، فلم يجب إلا بعد أيام بجملة لا تسمن أو تغني من جوع المعرفة.
مثل هذا المسئول "الكبير" هناك عدد من المسئولين الذين استبشرنا بوجود حسابات لهم في مواقع التواصل الاجتماعي سيما تويتر والفيس بوك، استبشرنا خيرا لأننا ظننا أننا اصبحنا قريبين جدًا منهم، ولا حاجة للبحث عن أرقام هواتفهم، أو طلب مواعيد مقابلتهم، أو البحث عن كيفية للإجابة عن تساؤلات واستفسارات معلقة على أبواب مكاتبهم.
لكن رياح المسئولين جرت بما لا تشتهي رياح المغردين..
فهذا المسئول لم يتفاعل مع حسابه منذ أشهر، وذاك يقتصر على إلقاء تحية صباحية بين الحين والآخر، وذلك يغرد في حب الوطن، وكأن حب الوطن لا يستوي إلا بإعلان الحب على الملأ، دن فعل آخر، وحساب هذا المسئول يغرد بما يمكن أن يقوم به أصغر مسئول في وزارته.. ولا يتوانى عن حظر كل من يختلف معه في الرأي ووجهة النظر، أو يناقشه في أخطاء تقع فيها مؤسسته، وكأنه لا يريد إلا سماع صوته.
ومسئول آخر في مؤسسة يستشيط غضبا من إستخدام أحد موظفيه، لموقع التواصل الاجتماعي، لإيصال رسالة جماهيرية إلى حسابه.. وقس على هذا الكثير والكثير.
أؤلئك هم الصنف الأول من مسئولينا، تكرموا علينا بفتح حسابات لهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ومهما يكن من ملاحظات، فإننا لا يمكن أن نقابل هذا الخطوة، إلا بالنظر إلى نصف الكأس الممتليء، وتقدير أن هذا الفعل الحميد، سيؤتي ثماره عند أولي الألباب، حتى لو لم يتفاعل هذا المسئول أو ذاك مع متابعيه، وحتى لو لم يحسن التعامل معهم،  فإن صوت "المغردين" بالتأكيد يصله، والحواجز تتلاشى بينهم.
أما الصنف الثاني، وهم السواد الأعظم، فإنهم يصمون أذانهم وابصارهم عن هذا العالم، وبالكاد يؤمنون به، وأهميته في تقريبهم إلى الناس، وشرح وجهات نظرهم دون وسيط، هؤلاء سيتحدثون باستفاضة عن مواقع التواصل الاجتماعي، وسيقيمون الندوات، ولا يتركون سانحة دون التعبير عن حرصهم على ما يكتب معهم وضدهم، لكن الحقيقة تقول إن اطلاعهم ذلك في الغالب يكون من خلال تقارير يرفعها مدراء مكاتبهم، وهم يوجهون بالرد على هذا الرأي أو ذاك عبر حسابات أكثرها وهمي، ليقال أن ثمة وجهات نظر متباينة حول هذا الموضوع أو ذاك، فإذا كان هناك من ينتقد هذا السلوك، فإن هنا من يوافقه، ويهلل له.
أسرد ذلك، وأنا ألمس أماني الكثير من المغردين، في وجود حسابات في تويتر لعدد من الشخصيات العمانية البارزة دينيا وسياسيا وفكريا وثقافيا واجتماعيا، وأحلام الأكثرية بتواجد ممثليهم في مجلس الشورى في هذا العالم الافتراضي، ليسمعوا أفكارهم، وأرائهم وينقلوا ملاحظاتهم، وطلباتهم إلى الحكومة ليكونوا بحق صوتهم النابض، ولسانهم الناطق.
المحصلة أن أكثرية من يتم طلبهم عبر تويتر، إن لم يكن جميعهم، لا يهتمون بالدخول إلى هذا العالم، وإذا ما ولجوا إليه، فإن حساباتهم تبقى خامدة، لا حراك فيها، وهذا ما يحدث كثيرا مع اعضاء مجلس الشورى، الذين يتزايدون يوما بعد آخر في فتح حسابات في تويتر، ثم ينسونها خاوية على عروشها، في الوقت الذي يتفاعل بعض الاشخاص منهم لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة، مع المغردين، ويتناقشون في قضايا ومواضيع محلية بشكل مستمر، وبصراحة ووضوح.
أتمنى أن أرى كل مواطن ـ مسئول كبير أم صغير أم غير ذلك ـ حسابا له في تويتر والفيس بوك، وأن يكون له صوت، ورأي، ويناقش في القضايا التي تمسه، وترتبط بعمله ومجاله، أتمنى أن أفتح موقع تويتر لأجد كل وزراء الحكومة وهم يتجاوبون مع ما يطرح عليهم ـ قدر ما تسمح به أوقاتهم بالطبع ـ، وأن تكون الصراحة والشفافية هي السائد في حواراتهم، وأن تكون صدورهم واسعة للنقد، ومعهم أتمنى أن أرى جميع فئات المجتمع من مفكرين ومثقفين واعلاميين ورجال الاعمال وغيرهم، وهم يجتمعون على بساط إلكتروني واحد، ويتداولون ما يهم الوطن، ويستمعون إلى بعضهم البعض، دون حواجز أو قيود.
أريد كل هؤلاء باسمائهم وصفاتهم ومواقعهم، أريد أن أسمع منهم، ويسمعوا لنا، وأن نقول لهم دون وسيط عن أرائنا وأفكارنا، وهمومنا.. وأن ننقل لهم ملاحظاتنا، وأن نتناقش في قضايا فكرية، ونتداول في أحداث معاشة، لنستفيد من هذا التقنية في التواصل وفهم بعضنا البعض.. ونقترب من أنفسنا أكثر وأكثر.

مسقط ـ 10 أبريل 2013م

الاثنين، 25 مارس 2013

الضاد .. ليس هي الظاء



تتفاخر اللغة العربية بتفردها عن سائر لغات العالم، بكونها اللغة الوحيدة التي تحمل حرف (الضاد)، هذا الحرف الذي لا يكتب أو ينطق في أي لغة أخرى، ومن هنا تعرف اللغة العربية أنها لغة الضاد.

غير أن ماسأة هذه اللغة، وأكبر مصائبها أن الكثير من أبنائها، لا يفرق بين حرف الضاد، وحرف آخر هو الظاء، ولكل منهما رسمه ونطقه، فقد اصطدمت بأحد الذين يحملون شهادة عليا، وقد كتب فيما كتب (أن ضلال النخيل تحفه من كل جانب).

نظرت إلى العبارة مندهشا، وسألته، هل شعرت بضلال النخيل؟!، فأجاب موافقا، وقال إن "ضلال" النخيل تمده بالدفء، وأنه.. وهنا قاطعته لأتبين خطأ رسمه للعبارة، وليس مقصده، ربما تقصد الظلال بالظاء؟.

مثل هذا الشاب، هناك الكثير من الذين يخطئون في رسم الضاد والظاء، ولا يفرقون بين الحرفين، ولا يفطنون إلى اختلاف المعنى عند كل منهما، فإذا كانت الظلال أمرا مقبولا ومرغوبا، فإن المرء يستعيذ بالله من الضلال والضلالة، وقس على هذين المعنيين، كلمات عدة تتبدل معانيها بمجرد اختلاف حرفي الضاد والظاء.

مع هذين الحرفين، تبرز اشكالية أخرى في جيل اللغة الخالدة، الجيل الذي لم يعد يعرف كيف تكتب الهمزة في بعض الكلمات، وموقعها في الاعراب، فنراها تارة موصولة، وتارة أخرى مقطوعة، وأحايين كثيرة لا نجد لها أثرا في الكلمة.

إن مرد ذلك في رأيي يعود إلى المدرسة أولا، وإلى المنهج التعليمي وخاصة منهج اللغة العربية وطرق تدريسه، فالطالب يتخرج من المدرسة وهو بالكاد يعرف القراءة الصحيحة، وتهجئة الحروف، ويتقن الإملاء، فكم من الأخطاء الشنيعة ترتكب بحق اللغة العربية من أناس بلغوا مراتب متقدمة من العلم والمعرفة!.

إن وسائل التواصل الحديثة، والتي كان يمكن أن تكون وسيلة لإتقان الإملاء، وتعلم الكتابة الصحيحة، خالفت دورها، أو بشكل أصح لم يستفد منها الاستفادة الناجعة، فتعمقت بذلك الفجوة بين لغة الضاد ومنتسبيها، وظهرت اللامبالاة في كتابة الجمل والعبارات العربية الفصيحة، وتم التغاضي عن الكثير من الأخطاء الشنيعة التي ترتكب بحقها، وتهجينها بكلمات دخيلة، والتلاعب في حروفها، فكم من الرسائل النصية، والمداخلات في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، تحمل أخطاء لا تغتفر بحق لغة القرآن الكريم، ناهيك عن أخطاء قواعد النحو والصرف، وعن هذه حدث ولا حرج.

إن الطالب فيما مضى، كان يبدأ تحصيله الدراسي، في مدارس القرآن الكريم بتعلم القاعدة البغدادية، والقاعدة النورانية، وكلاهما تهدفان إلى تهجئة الحروف بمخارجها الصحيحة مع الحركة المشكولة فيها، وبذلك تتأسس مهارة القراءة لدى المتعلم بقواعد ثابتة يتمكن من خلالها من قراءة كل ما يقع بين يديه دون أي عناء وصعوبة.

من هنا كانت مخرجات التعليم، متمكنة من نفسها في التخاطب باللغة العربية الفصحى، ومدركة لمعانيها، وعارفة بتشكيل حروفها، وتهجئتها، ولا خلاف بين بعض الحروف على بعض الكلمات، فكانت الجملة تصيب معناها المقصود، وبرع من  الدارسين من استطاع تشكيل الحروف حسب موقعها في النحو، ونطقها الفصيح.

إن اللغة العربية لن يعود مجدها، إلا اذا استوعبنا وجود مشكلة، وانتبهنا إلى فداحة وجود جيل متعلم لا يفرق بين الضاد والظاء، ولذلك لا يفهم الفرق بين "الظلال" و"الضلال"، وإذا ما عرف ذلك، فيصعب عليه نطقهما نطقا صحيحا.

وأخيرا ما أحسن ما خاطبنا به شاعر النيل على لسان اللغة الخالدة:

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني         ومنكم وإن عز الدواء أساتي
فلا تكلوني للزمان فإنني          أخاف عليكم أن تحين وفاتي
 

مسقط ـ 20 فبراير 2013م

الأربعاء، 20 مارس 2013

الذي لا يحب جمال عبدالناصر




مدخل

يمكن القول أن معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته هذا العام 2013م، كان الأنشط والأكثر غزارة في الاصدارات العمانية المتنوعة التي زخر بها، إضافة إلى الميزة الأهم التي إنفرد بها معرض هذا العام، دون عن سواه حتى من معارض الكتاب التي تقام في عواصم ومدن عربية، إذ رفع الرقيب قيوده عن وجود أي كتاب في المعرض، وألغى المنع من قاموسه، بإعتبار أن المنع لم يعد مجديا في زمن يمكن طلب أي كتاب في العالم بضغطة زر، وكما أن المنع نفسه يحقق الرواج للكتاب، ويضاعف الاقبال عليه، ولذلك إذا أردت نشر إصدار ما، فعليك بمنعه.
ولذا فإن وجود هذا الكم من الإصدارات العمانية، وهذا التنوع البديع في الأفكار، والرؤى، وجماليات العناوين والمضامين التي تطرحها هذه الاصدارات تحتاج إلى وقفة وقراءة من النقاد والمتخصصين، وفي ذلك إثراء للحركة الابداعية في السلطنة، وإنعكاس للثراء الذي شهدته عبر الاصدارات الحديثة.

احتفاء وليس نقد

لا أعتزم هنا تقديم قراءة تخصصية في رواية سليمان المعمري "الذي لا يحب جمال عبدالناصر".. وإنما هي قراءة عابرة، تصدر من قاريء غير متخصص في النقد، هو يحاول أن يقول شيئا، ليعبر عن اعجابه بهذا الاصدار أو ذاك، ويحفز الأخرين من النقاد والمتخصصين على الإدلاء بدلوهم، بما يسهم في تنشيط الساحة الثقافية المحلية.
هذه القراءة البسيطة تهدف للإحتفاء بالقاص والروائي "تاليا" سليمان المعمري، وإنتاجه الروائي الاول المتمثل في هذه المجموعة، والتي تقدم وجه إبداعيا جديدا لسليمان، الذي عرفه القاريء كقاص في ثلاث مجموعة قصصية صدرت له، وهي "ربما لأنه رجل مهزوم"، و"الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة"، و"عبدالفتاح المنغلق لا يحب التفاصيل".. ليعيد أكتشاف موهبة إبداعية أخرى، أجاد المعمري فيها، واستطاع أن يآسر قرءاه حتى السطر الأخير من الرواية.
الرواية تسير في إطار زمني، ومكاني معروفان، وتتقاطع أحداثها المتخيلة مع أحداث واقعية، وتتشابك الشخصيات الوارادة في الرواية، والمستواحاة "بعضها" من الواقع، مع شخصيات الرواية الرمزية ولكن الكاتب ينأى بأحداثه وشخصياته عن الواقع، بالإشارة إلى أنهما من نسج الخيال.. وإذا ما تشابهت مع شخصيات أو أحداث حقيقية في الواقع فذلك لا يعدو كونه مصادفة قدرية محضة..
الرواية تبدأ بفنتازيا طلب جمال عبدالناصر العودة إلى الحياة، ومعايشة الثورة التي قامت في مصر، لكن حارس البرزخ، لا يجد له وسيلة قانونية تسمح له بهذه العودة، إلا بإنتزاع جزء من كراهية شخص له على قيد الحياة، هذه الكراهية لو وضعت وحدها في كفة ميزان ووضع بغض جميع الناس لعبدالناصر في الكفة الأخرى لرجحت كفته، وويخبره أنم هذا الشخص مصري يقيم في عُمان، ويطلب من الرئيس الراحل أن يحاول أن يسل ولو 1% من الحقد الذي يحمله في قلبه عليه، حتى يحصل على مكافأة العودة إلى الحياة وإلى مصر معززا مكرما.
وهكذا ينطلق جمال عبدالناصر، في رحلته للوصول إلى الشقة رقم 18، في منطقة الحمرية، وريثما فتح بسيوني سلطان الباب، ورأى جمال عبدالناصر أمامه بشحمه ولحمه.. شهق شهقة قوية وسقط مغشيا عليه.
عند هذه الحادثة، تبدأ أحداث الرواية بالتصاعد، وتتشكل شخصياتها الرئيسية والهامشية، وتتداخل الأحداث لتنتهي في ذات النقطة الفاصلة، التي أنطلقت منها، وهي وجود بسيوني سلطان في المستشفى السلطاني في غيبوبة تامة.
يعطي الكاتب شخصياته، وجلها تعمل في جريدة عمانية اختار لها أسم "المساء" ـ عدا شخصيتين ـ، الحرية المطلقة في الاخبار والحديث عن نفسها، وعلاقتها ببسيوني سلطان، وتحكي هذه الشخصيات عن كل ما يحيط بحياتها من أحداث، والمواقف التي جمعتها ببسيوني، ويطرقوا قضايا عميقة، وشديدة الحساسية، بأسلوب السهل الممتنع، وهو الأسلوب الذي يميز كتابات سليمان المعمري القصصية.
فالمتلقي الذي يقرأ سليمان المعمري "روائيا" يجد أن الفكرة بسيطة جدا، وأن المعاني سهلة للدرجة أنها تتوالي بسلاسة ويسر، ولكنه حينما يبحر داخل النص يجد أنه من الصعب مجارة هذا الإسلوب بإتقانه، ورشاقة لغته، والمقدرة المذهلة على توليد الأفكار، والتمكن من السيطرة على مجريات الأحداث، وتطور الشخصيات.
الرواة في "الذي لا يحب جمال عبدالناصر"، شخصيات مهزومة داخليا، تعاني من شروخ حياتية، وتداعيات أحداث وقعت لها في الماضي، والكثير من هذه الانهزامية تعود إلى وجود الشخصية المحورية للرواية وهي بسيوني سلطان، ولذلك نجد أن سيجولوجية، وتكوين كل شخصية، تبدأ من نقطة وجود بسيوني سلطان في المستشفى في حالة غيبوبة، والعلاقة بينهما.
هذه النقطة، والتشابك في احداث الشخصية الراوية، مع شخصية بسيوني، تحمل عناوين الفصول التالية للحدث الرئيسي، وهو عودة جمال عبدالناصر للحياة، لمقابلة أكثر شخصية حية على وجه الأرض كرها له، حيث يوظف الكاتب تقنية تعدد الأصوات التي تتيح لكل شخصية من شخصيات الرواية سرد حكايتها بنفسها والتعبير عن ذاتها بلغتها الخاصة.
وقد وضع المعمري لكل فصل من هذه الفصول عنواناً جاذبا يشد القارئ، على نحو، الراوي العليم: زرني يا عَدُوِّي، جار النبي بسيوني سلطان: صوّتْ لمرسي يا ولد، رئيس القسم الديني: هل سيد قطب أباضي؟!، المصحح السوداني: أنته أصلاً فلول وما لكش دعوة بالثورة، رئيس القسم الثقافي: اش جاب التفاح للبصل!، رئيس التحرير: بالضبط كأنك تسحب السيفون، رئيسة القسم الاقتصادي: تاريخ أيه وجزمة أيه يا زينب!، رئيس قسم المحليات: غاندي يفطر بـ"سويويا"!، عبدالله حبيب: المشي في جنازة رجل عظيم، زينب العجمي: سموها "نكسة"، جاتهم وكسة!، بسيوني سلطان: بالعصا على مؤخرته، المصحح التونسي: البلد بش يبيعوها، عضو اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان: يخيط فمه؟!.. هل نحن في شيكاغو؟!، المترجم المصري: عُمان مذكورة في القرآن؟!، الراوي العليم: أعرفك جيدا.
أنتهج سليمان المعمري في روايته، ـ كما أشرت ـ إلى تقنية تعدد أصوات الرواية، وأعطى فضاءً واسعا لشخصياته للتحرك، بدءا من علاقتها مع بسيوني سلطان، وحتى علاقتها بصحيفة المساء، والمواقف الحياتية التي مرت بها، والتطورات الدراماتيكية التي صاحبت كل شخصية، وتماسها مع قضايا وأحداث محلية.
فرئيس القسم الديني الشيخ داود الحراصي تحدث ـ مثلا ـ عن علاقته بقضية ما سُمّي بالتنظيم السري المحظور 2005م، بإعتباره أحد الأشخاص المتهمين في التنظيم، ورئيسة القسم الاقتصادي زينب العجمي التي تحدثت عن اعتقالات ديسمبر 1987م في حق تنظيم الشيعة الشيرازية، كون والدها أحد المتهمين في التنظيم، ورئيس قسم المحليات سالم الخنصوري الذي أسهب الحديث عن اعتصام ساحة الشعب، أو ساحة مجلس الشورى، وعضو اللجنة الوطنية لحقوق الانسان التي تحدثت عن الانتقادات الموجهة إلى اللجنة، وقضية ما تسميه بـ"المخربين"، و"اصحاب الكتابات المسيئة".
ولا تغفل الرواية، أن تعرج على ثورات الربيع العربي وتأتي على الكثير من القضايا التي تعج بها الساحة المحلية، سيما المرتبطة بالاعلام، والحرية الصحفية، ونشاط الصحفيين، وتعامل الجهات الأمنية مع بعض القضايا، منطلقة في فضاءها من "ميدان التحرير"، وهو مصطلح أطلقه موظفو الجريدة على صالة التحرير لديهم، تيمناً بثورة 25 يناير المصرية التي كانوا يتابعون أحداثها من قناة الجزيرة في تلك الصالة، هو الفلك الذي تدور حوله شخصيات الرواية.
القارئ للرواية، يجد أن بعض الشخصيات، قد ظهرت ـ كما ذكرت سلفا ـ في بعض الأحيان "مهزوزة"، و"ضعيفة"، وربما يعود ذلك لسطوة شخصيات بعينها، والمساحة الممنوحة لها للحراك، وتبيان موقفها وأفكارها، يحدث ذلك مثلا بالنسبة للشخصية الرئيسية في الرواية بسيوني سلطان، الذي رغم إثارة زملائه له، واستغلال كراهيته الشديدة للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إلا أنه يبدو متماسكا وهو يسرد حكايته مع عبدالناصر، وقصة كراهيته له، بعد تأثره وعائلته من قانون الاصلاح الزراعي الذي تم تطبيقه في مصر بعد ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952م، وعلاقة الأخوان المسلمين مع عبدالناصر وانقلاب الأخير عليهم.
بسيوني هذا لا يتوانى وفي سبيل امتثاله للتعليمات الصادرة، وتكوينه الأيدلوجي، القريب من فكر الأخوان المسلمين، إلى حذف بعض العبارات من المواضيع المقدمة للنشر في جريدة "المساء"، بحجة إنها تخالف التعليمات، ومن مثال ذلك استبداله كلمة "الإصلاح" بكلمة "التطوير" و"تظاهرة" "بمسيرة" و"سيدات الاعمال" "بصاحبات الاعمال" و"الإبداع" "بالإجادة".. وغيرها، وقد أبلى بسيوني في ذلك بلاء حسنا، رغم الحماقات التي ارتكبها أثناء التصحيح.. ورفضه وحذفه للكثير من المواضيع التي يجدها حسب رؤيته الضيقة للدين، مخالفة للشريعة، ، رغم أن عمله الأساسي في الجريدة التصحيح اللغوي فقط وليس رقابة النصوص، التي لها سلطة أخرى متمثلة في إدارة التحرير، ولذلك دخلت الجريدة في مشاكل متعددة مع بعض المثقفين والأدباء، الذين هدد بعضهم بعدم التعامل مع الجريدة في حال تكرر حذف النصوص وتعديلها.
والحال ذاته مع شخصية أخرى مناكفة لبسيوني سلطان، والتي تشكل حضورا دائما في سرد الشخصيات للإحداث، ذلك هو رئيس قسم المحليات سالم الخنصوري الذي يسهب في الحديث عن نفسه، والحديث عن اعتصامات 2011م، والعلاقة بين زينب العجمي وبسيوني سلطان.
ورئيس التحرير مرهون البطاشي الذي يتحدث عن زواجه الثاني، وعلاقته بزوجته التي تعمل في اللجنة الوطنية لحقوق الانسان، ومحاولة الأخيرة اشعار زوجها بإنها على علم بخيانته.

وكذلك بالنسبة لزينب العجمي رئيسة القسم الاقتصادي، التي كانت من الشخصيات المهمة في الرواية، وطرحت الكاتب من خلالها مجموعة من المواضيع، ويحسب لها أنها الشخصية الوحيدة في الرواية التي أفسح الكاتب لها فصلين كاملين، لروي الأحداث.
لكن الرواية هنا لا تهتم بتخصص زينب العجمي ـ مثلا ـ في القسم الاقتصادي، لذلك هي تروي عن حكايتها مع زوجها الراحل خالد الخروصي، وبداية تعارفهما، ومن ثم رعايته لها ولأمها حين وجود والدها رهن الاعتقال، وبعد ذلك علاقتها ببسيوني، وسعي الأخير لطلب زواجها متعة.
ويقع الكاتب ـ من وجهة نظري ـ في اشكالية فقهية، لا أجزم إنه لم ينتبه لها، وبالتأكيد أن ثمة تبريرا لها عنده، عندما يحكي على لسان "زينب العجمي" عن زوجها خالد الخروصي "الأباضي المذهب"، وهو يقول لها (أنأ أعرف أن مذهبنا يبيح زواج المتعة.. لكن عمري ما فكرت أتزوج بهذي الطريقة يا زينب.. الزواج رباط مقدس بين شخصين، شراكة كاملة في الحياة في كل شيء.. مش مجرد "متعة" صغيرة يروح كل واحد ف طريق).
فالذي يذهب إليه أكثر علماء المذهب الاباضي أن نكاح المتعة قد نُسِخ؛ لأن النكاح إنما هو ربط مصير بمصير، وهم يرون في القرآن الكريم ما يدل على أن الزواج إنما هو إحصان، وليس هو من أجل سفح الماء فالله تبارك وتعالى يقول في الآية الخامسة من سورة المائدة: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}.
وغير ذلك نجد أن الرواية تعزز صورة التسامح المذهبي في عُمان، حيث يتزوج خالد الخروصي "الأباضي المذهب" من زينب العجمي "الشيعية المذهب".. ويصف خالد نفسه بأنه ليست متعصبا لأباضيته، وهو يرى أن الإسلام دين واحد والمذاهب ليست سوى طرائق لفهمه. أي إنها وسائل لا غايات.
ومع السلاسة في سير أحداث الرواية، واعتماد الكاتب على تقنية تعدد الأصوات، والفلاش باك في سرد الأحداث، فهي كذلك تحمل الكثير من الرسائل الهامة، التي تستوقف القاريء.
فحديث بسيوني سلطان عن "الرئيس المؤمن محمد مرسي"، وكونه "ما بيخافش غير ربنا" وأنه "حافظ القرآن كامل وبيصلي الفجر جماعة".. يقابله تعليق حسن العامري رئيس القسم الثقافي "دينه لنفسه.. مصر محتاجة رئيس، مش مطوّع".
وكذلك الحال مع تونس، إذ يصف المصحح التونسي عبدالمجيد زروقي الوضع السياسي في بلاده بعد الثورة "وسقط النظام والحمد لله وهرب بن علي، واستبشرنا خيرا بما سنجنيه بعد الثورة، ولكن البغل تبدل و"الكريطة هي هي".
ويتساءل بمرارة المواطن التونسي الذي كان يحترق ألما وشوقا وهو يتطلع للعهد الجديد فإذا به يكتشف في ساعة يأس "أن بن علي الطاغية المستبد يخاف الله أكثر منهم".
ويوصف عبدالمجيد الحالة التونسية، وهي بالكاد تتشابه مع حالات عربية أخرى، أمتدت لها ثورات الربيع العربي، "مشكلتنا مع النظام السابق كانت في حرية التعبير والإعلام فقط، ولكن كان هناك أمان نسبي"، ويرد على سالم الخنصوري بعدما امتدح حرية التعبير والإعلام الكبيرة التي ظفرتم بها بعد الثورة"، بالقول: " إنها كبيرة حقا.. كبيرة حد الفوضى".
الرواية في مجملها تقدم تقاطيع عديدة، يمكن أن يبنى عليها سردا عميقا حول الأحداث التي تتعرض لها، والجميل في كاتبها، إنه استطاع مزج الواقع بالمتخيل، والمعقول بالامعقول، ورسمت كل شخصية من شخصياتها على نمط واقعي يقترب من شخصيات معاشة بيننا، لكننا لا نود الذهاب إلى ذلك، وتصديق الرواية، واعتبار شخصياتها حقيقة، وتحميلها ما لاتحتمل.. فهي أولا وأخيرا تظل إبداعا من نسج خيال الكاتب، وله وحده الحرية المطلقة في رسم مسار الأحداث، والأخذ من الواقع ما يراه مناسبا، ويخدم فكرته التي ينطلق منها في عمله.
وحيث أنها الرواية الأولى لكاتبها القاص سليمان المعمري، أقول هنا القاص، لأن هذه التسمية والوصف هو الأقرب، وربما الأحب للمعمري، الذي حقق عدة انجازات مهمة في مجال القصة، ليس أهمها جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة، التي نظَّمتها لجنة القصة في المجلس الأعلى للثقافة بمصر، عن مجموعته القصصية " الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة".. أقول حيث أنها الرواية الأولى، فقد ظهرت بعض الشخصيات إطالة فيها في سرد التفاصيل التي ترتبط بها، وهذا جعل الكثير من القضايا والمواضيع تتفتح أمام القاريء، دون أن يستوعب جل تفاصيلها.
لا أريد هنا أن يفهم القول، انني أطالب أن تنبش الرواية كل القضايا والمواضيع، وتسردها بتفاصيلها، ولكنني لم أكن أود أن تحمل الرواية أكثر مما تحتمل، فهي ليست كتاب تاريخ، أو توثيق لأحداث ومجريات تاريخية، كما أن مدخل الرواية، والفصل الأخير منها، بدأ مهزوزان قليلا بالمقارنة بالأحداث التالية، وهذه الصعوبة في مزج الواقع بالمتخيل، إذ يتماهى الواقع ليصبح جزءا من المتخيل، ويتلاشى المتخيل ليصبح جزءا من الواقع..
أعتقد أن سليمان المعمري وهو يكتب هذه الرواية، تصارعت أمامه الأحداث، وتداخلت فيما بينها، فصارت جزءا من شخصياته، وطوعها بحرفية، لكنني أخشى أنه حملها كل هذا الحمل الزائد.
وإذا كان الكاتب قد استطاع تكثيف عبارات وتوصيفات بعض شخصياته، للإحداث، فإنه استلزم منه الاسهاب في بعض المواقف، للوصول إلى ما يريد قوله، فالنقاشات المستفيضة حول قضايا فقهية وفكرية، لم تخدم الرواية في بعض الفصول، وكانت هذرة زائدة.
مع كل هذا، فلابد من الإشارة مجددا، إلى أن رواية "الذي لا يحب جمال عبدالناصر"، استطاعت أن تآسر الكثير من القراء، ويتهافت عليها الجمهور في معرض مسقط الدولي للكتاب، وأعترف إنني قرأت الرواية مرتين متتاليتين، وما زلت منشد إليها، وقد أقرأها للمرة الثالثة.
لقد نجح سليمان المعمري روائيا..
نجح في صياغة رواية.. تقول كل شيء.
نجح رغم الملاحظات البسيطة التي سيقولها هذا القارئ البسيط، أو ذاك الناقد لا المتخصص.
لكنها تبقى ملاحظات، لا تنتقص من قيمة العمل، ولا تقلل من جودته.
ومع هذا النجاح، ومطالبة "البعض" لسليمان بكتابة جزء ثاني من الرواية، أتمنى منه أن لا ينساق إلى كتابة جزء ثاني منها، بل يكتب رواية أخرى، أثق أنه سيبدع كما أبدع في نصوصه السابقة وروايته هذه، فسليمان المعمري مشروع أديب نضج.. وهذا أوان قطاف ثمره/ إبداعه.
أخيرا.. إذا كنت أتمنى ان يقرأ كل شخص هذه الرواية، سيما المشتغلين بالصحافة والاعلام، فإنني لا أتمنى أن يبحث أي منهم ـ وأقصد هنا المشتغلين بالصحافة ـ عن نفسه داخل الرواية، ولا يحملها ما لا تحتمل، فهي تظل بشخصياتها وأحداثها من نسج خيال الكاتب.. ومرة أخرى اسوق تنويه كاتبها.. إذا ما تشابهت مع شخصيات وأحداث حقيقية في الواقع، فذلك لا يعدو كونه مصادفة قدرية محضة.

مسقط ـ الأربعاء 20 مارس 2013