الثلاثاء، 18 يونيو 2013

في رثاء حديقة




 في مكان ما.. في بقعة من عاصمتنا الجميلة.. في مساحة بين المنازل والبيوت الصغيرة، المتقاربة بعضها مع بعض، في نسق عمارني، وهندسة متوازنة، كانت هناك حديقة للصغار، وكان بين البيوت منتزه للتريض والإستمتاع بجمال الطبيعة والمساحات الخضراء البديعة، كان الصغار يجدون منيتهم في هذه الحديقة، يخرجون من منازلهم، تملؤهم الفرحة، وتسبقهم البراءة، حيث الألعاب البسيطة الموضوعة هناك، تحفهم انظار اسرهم الذين يجدون في الحديقة بعض ما يشتهون من هدوء.. وتأمل، كان كل شئ يسير على وتيرته، منازل جديدة، وفلل حديثة تقام هنا وهناك، وجلها كان يقارب النسق المعماري والصورة البديعة للمدينة، حيث مستويات البناء وإرتفاعاته واحدة.. والحديقة بينهم شاهدة، ضاحكة بضحكات الأطفال، وببراءتهم التي تفيض وداعة وصفاء..

كانت الصورة ذي.. متكررة، في نواحي واماكن عديدة من العاصمة الجميلة.. تتكرر هنا في القرم والخوير والعذيبة وروي والوادي الكبير والسيب ومطرح واماكن عديدة، كانت الحديقة مكون رئيسي وجزء لا يتجزء من تخطيط المدن والمناطق السكنية.. ولا يمكن لنا أن نتخيل مخطط هندسي دون أن تكون مقومات الحياة فيه.. ملاعب للرياضة، حدائق للأطفال.. مساحات خضراء.. ومساحات نقاء.. لا شئ يطغي على الأخر، والمحصلة، مدينة متسقة.. مترابطة في الشكل والمضمون، تهفو إليها النفوس، وترتاح الأفئدة، ويغرد الطير في دوحها، والهواء تقي.. كنقاء الرئات التي تستنشقه..

كانت الحديقة/ المنتزه، اول ما يقابلنا، ونحن نلج المدن والمناطق السكنية في العاصمة الجميلة مسقط، في المدينة التي نتباهى أمام زوارنا، إننا الأنقى والأجمل، والأكثر تنظيما، للمنازل مكان.. وللمباني العالية والمنشاءات التجارية والصناعية مكان أخر.. وفي هذه الأماكن، لا وجود لناطحات السحاب، حيث لا تحتاج المدينة لها، لتختال دائما كعروس فتية، تفرد مباهجها زينتها، وتختال بهندستها، وصورتها المعمارية المتأنقة..

كانت هنا حديقة.. قبالة هذا المسجد، وبين هذه الدور السكنية، امام خطوات الصغار، ييسابقون خطواتهم إليها، والفرحة تتسع البيوت القريبة والبعيدة، والبهجة تملأ الأشجار، والزهور والبساط الأخضر الممتد بإمتداد الحديقة/ المتنزه..
كنت هنا..
كانت حديقة..
وتحولت بفعل (معلوم) الى عمارة شاهقة.. والى مشروع تجاري.. والى استثمار لطرف ما، اعجبه المكان، ولم تعجبه الحديقة.. ولم تعجبه ضحكات الصغار في المساحات الخضراء.. ولم يعجبه النقاء والصفاء الذي يسكن المخططات السكنية، فقرر تحويل الحديقة الى مشروع إستثماري.. يدر عليه ربحا ماديا مغريا.. ليلتفت بعدئذ الى مناطق أخرى.. حيث تسكن حدائق أخرى.. هي مساحات جمال في عيوننا، وفي عيون المستثمرين والمنتفعين فرص إستثمارية.. ومنافع مادية وتجارية جمة.

تختفي الحدائق والمنتزهات في السيب.. وتتبعها حدائق القرم.. ثم حدائق مطرح.. وهكذا، تتحول المدينة في الصورة التالية، الى مجمعات تجارية، ومباني شاهقة تقارب في وصفها بناطحات السحاب، واستثمارات عقارية، تعلو الواحدة فوق الأخرى، والشوارع على حالها.. والمنازل على صورتها السابقة، وكل شئ كما كان، غير إن الحديقة التي كانت هنا، او هناك، اختفت من الوجود، وما عاد لها أثر، اما الأطفال فعليهم أن يتعودوا غياب الحدائق، والتنزه في شرفات المباني العالية، يناظرون المجمعات التجارية، وهي تشيد وتعمر على مقربة منهم، تخفي ضوء الشمس.. ونسمات الهواء، والنقاء الذي كان يطوق المدينة، ويرفل عليها بالبهجة..
ويوم تقوم العمارة..
يوم يهرع المستثمرون..
يوم تختفي الحديقة..
على حدائق الأطفال سلام..
وسلام على جمال المدينة.

الاثنين، 20 مايو 2013

يضحك سور العقر.. يبكي صباح أبي المؤثر!

 
اللوحة تقول أن الترميم سيكون لجزء من سور حارة العقر
صباح أبي المؤثر.. حيث الأعمدة المنصوبة تتعب الصباح والمارين
 لم يكن يعرف برج العقر، وهو يلقي بعض اطلاله، ويهوي بها قريبا من المارة في سوق نزوى، أنه سيلفت الأنظار إلى السور، ويعيد البسمة إلى جزء منه، فيما الجزء الآخر كتب عليه أن ينتظر.. انتظار الأبراج والصباحات والحارات التي تعبت من الأنين، وهي تخبر عن حالها وما صارت إليه.
العمل بدأ على بناء جدار تحت انقاض السور

ذات صباح، كانوا يرفعون قريبا منه، ما أبهجه ذلك اليوم، حين قرأ أن ثمة إلتفاتة إليه، حدثت، وأن العمل سيبدأ في ترميم جزء من السور، وليس كله، وما لا يدرك كله.. لا يترك جله.  
ومهما يكن الترميم، والطريقة التي تتم بها، ومدى إلمام من سيقوم بإعادة بناء السور كجدار، لا كترميم ما تساقط وإعادته إلى صورته الأولى، فإن البادرة محمودة، ولم يطلب سور حارة العقر أكثر من ذلك.. فهو يعرف أنه لن يتلاشى من الذاكرة. وأن "الأموال" و"الأوقاف" المكتوبة بأسمه، والتي يقال " أنها لا تعد ولا تحصى" ستشفع له..
سيأتون إليه، وإن طال به الزمان، يقيمون الجدار الذي يريد أن ينقض، ليحفظوا كنوزه المخبئة، ومهما تكن صورة سور العقر التالية، فكينونته الجديدة ترفع الحرج عن البعض من إتهامهم بالتجاهل والتغاضي عن مأساة السور وما حوله من الآثار.
صباح أبي المؤثر .. واحد من صباحات قليلة بقيت في نزوى
وحده صباح أبي المؤثر المحاذي للسور في الطرف البعيد، سيبكي، كما بكت صباحات نزوى ولم يسمعها حد، حتى تعبت وألقت بحملها وتخلت عن حراسة المدينة، وعن سرد الذاكرة الباقية بين جدرانها.
يبكي صباح أبي المؤثر، لأنهم نسوا "أعمدتهم" منصوبة على بنيانه، ومضوا لا يلتفتون إلى ما ستحدثه هذه الأعمدة من تشويه لمكانة الأثر، وصورته، ولا يهم إن كان مدخل الصباح قد ضاق على المارة، أو تسبب في إيذائهم، طالما أنه سيسكت الصباح عن الأنين، ويقطع تهديده بالسقوط، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

كم من سور في حارة العقر، وفي حارات نزوى توشك أن تنطمس وتغادر الذاكرة، وكم من الأبراج تهاوت أو في طريقها إلى ذلك، وكم من الصباحات وأبواب المدينة تلاشت من الوجود، ولم يسأل أحد عما حدث، أو يهرع لإنقاذ ما تبق من هذه الآثار، قبل أن يأت عليها زمن لن تكن فيه شيئا مذكورا.

في كل مرة نطلق الصرخة: أن آثارنا تنقرض أمام انظارنا.. ونطالب بالالتفات إليها، ونأمل أن تكون هناك خطة لترميمها وصيانتها، لكن الخطط لدينا تحتاج إلى دراسة، والدراسة إلى زمن.. ومع توالي الأيام وتعاقب السنين تبقى الصورة وحدها شاهدة: كانت هنا حارة.. وكان معها سور وأبراج تحرس صباحاتها..

لن نقول مجددا: أن نزوى ستحتفل بعد عام ونصف بكونها عاصمة للثقافة الاسلامية، فقد تعبنا من التذكير بذلك، وما على الأرض لا يشي بتذكر المناسبة، فلا الحارات ترمم، ولا الأبراج ستعود لسابق عهدها، ولا الصباحات تقوم من مقامها، ولا شيء آخر.. حينها لن يبكي صباح أبي المؤثر وحده، بل ستبكي كل آثار نزوى وحاراتها وما تبقى من اطلالها.



نزوى ـ في 19 مايو 2013م

أقرأ ايضا :
سلام على الأبراج يوم تنهار.. ويوم تندثر!

الاثنين، 29 أبريل 2013

سلام على الأبراج يوم تنهار.. ويوم تندثر!



أحد أبراج سور العقر الذي انهار قبل أيام

 بالأمس القريب انهار واحد من أبراج العقر في نزوى.. البرج الذي قاسى كثيرا قبل أن يستسلم لقدره، ويهوي كما هوت أبراج عدة في حارات نزوى العتيقة.. ومع كل برج يسقط، تسقط ورقة من التاريخ كانت ماثلة للعيان، وشاهدة على مجريات وأحداث خطت فصولها في هذا المكان.
تسقط الأبراج..
شواهد من برج أبي المؤثر
ومعها تسقط ذاكرة، كانت تستظل تحت اسوارها، وتستشهد بها، وهي تتباهى بالذين كانوا هنا، الذين عبروا صباحات المدينة، وسطروا حكاياتهم، لتكون فخرا للأجيال المتعاقبة..
كانت تشمخ رغم تقلبات الزمان وصروفه، وتتباهي أنها الأجمل والأبهي بين المباني القريبة،  وكانت تحرس المدينة كعادتها، دون أن تدري أن بوابات المدينة الأخرى أصبحت مكشوفة، ومشرعة، ولم تعد تغلق كدأبها كل مساء، وأن الأسوار التي تصل بعضها البعض، قد تهاوت، ولم تكن شيئا مذكورا.
لم يخبروا الأبراج، عن سور العقر وما حل به، لم يبق من السور إلا الأطلال.. قالوا: لا تزعجوا الموتى هنا، دعوهم يرقدون بسلام، ولم يعرفوا أن الأبراج كانت تناظرهم في تلك اللحظات، وهم يحطمون بمعاولهم بنيان السور، ويأتون على ما تبقى من أثاره..
اطلال من سور العقر
وسقط سور العقر..
والمدينة تتأهب للإحتفال بكونها عاصمة للثقافة الإسلامية.. بعد زمن وجيز تتسارع ايامه، وتتسابق ساعاته، حتى إذا ما حانت لحظة الاحتفال، قالوا: قد جاءتنا بغتة، وكنا عنها معرضين.
هكذا تم حماية صباح أبي المؤثر من الاندثار..
سيبحثون يومها عن حارة العقر، وعن أسوارها، وأبراجها.. وعن صباحاتها المنسية من ذاكرتهم قبلئذ، وحين لن يجدوها، سيقيموا حفل تأبين لها، ويلقون على أثرها الكلمات الرنانة والخطب البليغة، وسيقولون عن العقر، الكلام المنمق، وسيتحدثون عن جهود البحث عن أثارها، وتتبع حكاياتها، وحدها روح العقر من ستشهد يومئذ على زيف هذا الكلام، ومخالفته للواقع.. وحدها ستضحك كثيرا منهم، وهم منها حيئنذ يبكون.


نزوى ـ السبت 27 ابريل 2013م