الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

على هذه الأرض ما يستحق الحياة ( 1 )



          
متأملا الصورة الماثلة أمامي، ارجع البصر كرتين، فينقلب إليّ البصر خاسئا وهو حسير، أزرع حلمُ صغير، فينبت الحلم حقيقة تمشي على الأرض، وتجول في بيارات البرتقال، وتعانق الزيتونة المباركة، وتضيء منارات المساجد، وتقرع أجراس الكنائس، ثم ترتمي حجرًا في راحة طفل، وتكمل حكاية الصمود.
أرسل عيناي جهة المقبرة العربية التي تحولت إلى يهودية، بعد خيانة تعود إلى أربعة قرون، أطرق أبوب القدس السبعة، محاولا الولوج إلى الحرم الشريف، حتى لو أغلقت الأبواب دوني، ونصبت حواجز التفتيش، أستعيد ذاكرة مهترية بالخيانات كما هي مليئة ببطولات الجيش العربي، مذ قتاله الأول ضد الإنتداب البريطاني، وحتى مقاومته للزحف اليهودي على أسوار المدينة.
أقف على جبل الزيتون، ميمما وجهي شطر البلدة القديمة، وأمضي في الأزقة، قاصدا الحي الإسلامي دون باقي أحياء البلدة الثلاثة، أتجول في سوق القطانين، ثم أنعطف في طريق الآلام، خارجا من باب الأسباط إلى المسجد العمري وكنيسة القيامة.
أصطدم بكمّ الخرافات التي نسجها "المحتلون"، ومحاولات طمس الهوية، وتغيير ملامح الحي والبلدة القديمة، أنحني إجلالا لإمرأة رابطت في منزلها رغم تصدع جدرانه، حفاظا عليه من سرقته، كما سرقوا الحي والبلدة، وسرقوا المدينة، والوطن.
أيّها العابرون على جسدي
لن تمرّوا
أنا الأرض في جسد
لن تمرّوا
أنا الأرض في صحوها
لن تمرّوا.
***
أناظر من البعيد الأقصى الشريف، وأتامل بفرح القبة التي برقت كما الحلم الذي تجسد أمامي، أتخيل عودة هذه الأرض، وتحريرها، والأرواح التي سكبت دماءها هنا، نبتت جيلا، أعاد للقدس جلالها، وللمدينة القديمة بهائها.
أشاهد مجموعة من الحاخامات يجولون في منطقة المقابر اليهودية، يقف حاخامان عند أحد الأضرحة، يتلوان صلاتهما، ثم يشبك كل منهما يديه وينحني، قبل أن يغادرا آمنين مطمئنين، وقريب مني يقف مجموعة من الأجانب يقودهما
مرشد يهودي، يحكي لهما عن تاريخ المدينة، وعن مقدساتهم، وآثارهم المزعومة، ويشير إلى جبل الزيتون، يخبرهم عن المسيح المنتظر الذي سيخرج من هناك، وعن الأموات الذين سينهضون لإستقباله، ويدخلوا معه من باب الرحمة لاقامة الهيكل الثالث.
أصرف بصري عن هؤلاء، وأعود للبلدة القديمة، حيث تجري
طفلة بين حوانيت سوق باب خان الزيت دون أن تأبه لبنادق جنود الإحتلال المتأهبة للغدر، ترتمي في حضني، وأرفعها عاليا، تطلب مني أن أمضي بها وهي محمولة بين أذرعي، أفرح لطلبها، أخرج بها من باب العمود، وأصعد السلم الواصل حتى الشارع، وأمضي لا آبه لشيء.. تفتح داليا ذراعيها للريح، وتحلق، لكنها ترفض الطيران بعيدا عن القدس.
رجل سبعيني عند مدخل سوق القطانين يطلق إبتسامة ترحيب، يحلف أن يضيفنا بعصير الرمان الطازج، أنظر إلى الفرح في عينيه، لكنني أبصر خلف فرحه مأساة عقود من الألم والضياع والتشرد، لا يقول أبو روؤف الكثير عن حياته، لكنه ينظر إلى الزقاق الواصل إلى كنيسة القيامة، ويتركه ليقول كل شيء.
صور تترى، وأنا الواقف هناك أنظر للحلم المتجسد الممتد جهة أولى القبلتين وثالث الحرمين، والأمنية التي غدت على مرمى حجر من تحقيقها، يسأل الصديق عاصم الشيدي ونحن نقترب من ولوج باب الساهرة عن فيروز و"زهرة المدائن"، لكن جراح المدينة أكبر من أن تجيب على سؤاله، فيترنم بها وحيدا، وهو يتشرب بعضا من الوجع الساكن هنا..
أحدهم يعرض صورة بانورامية للقدس، أسأله عن الثمن، فيخبرني إنها بعشرة شيكل، وأعود لسؤاله عن ثمنها بغير هذه العملة، أدفع له دينارين أردنيين، أتبين بعدها أن الصورة مكتوبة بالعبرية، أطويها، وأتأمل الصورة الحقيقية، والألم يكبر ويكبر..
***
كم علينا أن ننتظر حتى ندخل القدس دخول الآمنين..
أحلامنا التي قُدَّت من حنين، تنمو حينا وتخفت أحايين كثيرة..
كلما طرقنا بابها، وجدنها مجرد حلم، يتبخر مع العجز العربي، والصمت المطبق في إنقاذ شعب يرزح تحت وطأة التشريد والتنكيل، دون أن نلتفت لصرخاته وآلامه.. حتى أخباره لم نعد نستسيغ سماعها، لقد تعبنا من سماع أنينه وشكواه.
هكذا فجأة، أستيقظت لأجد نفسي أمشي في شوارع رام الله، وأجوب الخليل ونابلس وبيت لحم.. وفي صور أخرى أقف عند قبة الصخرة، وأصلي في بيت المقدس، وهنا في صورة ثالثة عند منبر صلاح الدين الأيوبي داخل الحرم الإبراهيمي، وأقطف الزيتون، وأعيش حصار أبوديس، وطلقات الرصاص، وتهجير شعب من وطنه، وإستفزاز المستعمرين، وقطع الطريق، وأقف عند الحواجز، بغية الوصول إلى الجهة الأخرى من المدينة.
كل هذا الوجع، لا يساوي شيئا، أمام فرحة أم بخروج إبنها
الأسير بعد ثلاثين عاما من الإذلال في زنازين الإحتلال، أمام رقصة فرح تشعر فيها أنك إنسان آخر، غير الذي تعرفه.. أطلق ساقي للريح، أحاول أن أهرب من واقعي، فأصطدم بمرارته في غدي الآتي.. فالأم التي فرحت بعودة إبنها الأسير، إكتشفت أنها وقريتها، تعيش في الأسر، وتقبع في سجن بداخله سجن أكبر.
لكن هذا الشعب عصي على الإنهزام... لم يهزه الاحتلال والقتل والتهجير والذل، هو يزداد رسوخا وثباتا في أرضه، كلما زاد الاحتلال قهره وذله، يضحك أشيب فلسطيني رغم ما تحمل سنينه من قهر وألم، ويمضي يزرع شجرة زيتون قريبا من الشجرة التي اقتلعتها جنازير الإحتلال.
تبوح الرحى بأسرارها للمرأة التي قامت تطحن القمح، وتخبزه، للذي حنّ إلى خبز أمه.. ثم تنتظر إبنها.. إبنها الذي عادَ مستشهداً. فبكت دمعتين ووردة ولم تنزوِ في ثياب الحداد.
والطفل الذي فتح عينيه في سجون الاحتلال وعاد إليه مرات عدة، وهو لم يكمل الخامسة عشر من العمر، هذا الطفل الذي فقد والديه، وتشردت أسرته، لم يغادر الخليل، وبقي يحرس الحرم الإبراهيمي بقلبه ووجدانه، قال لي: أنا جذوري نبتت هنا، ولن أغادرها إلا إلى هناك، وأشار جهة المدافن.. ومضى مرفوع الرأس، وسط بنادق الاحتلال.
منتصبَ القامةِ أمشي
مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي..
***
يسألني المكان: من باع فلسطين، وخان القدس، وغدر بهذا الشعب؟
فلا أجد إجابة شافية، أمام السجن الذي يكبر، السجن الذي طوقه الإحتلال بحواجزه وجداره العنصري، وحرم على أهله كل شيء إلا بأمره, ولو استطاع حرمانهم من الهواء الذي يتنفسونه لفعل.
كل ذلك يحدث على مسمع العالم ومرآه، مالذي تبقى من فلسطين؟
فيتردد صدى الجواب في كل الأرض، هذه الروح المكافحة، وهذه الإرادة التي لا تستكين، وهذه العزيمة التي لا تقهر، سنموت أجسادا، لكن أرواحنا تتناسل في المكان، ولن يستطيعوا هزيمتنا.
أسمع بعض حكايات نضال الشعب وصموده، من السفير الفلسطيني في مسقط، أقرأ في كلماته كمّ الألم الذي يتنفسه هذا الشعب، وكل يوم يزداد الإحتلال ضراوة، حكايات كثيرة تتناسل، تخبرنا عن عنصرية الكيان القائم على إغتصاب الأرض وتشريد أهلها، والجدار العنصري البغيض الذي يشطر منازل الأهالي، ويفرق أملاكهم، ويفصل بعضهم عن بعض.
"يمضي جدار الفصل العنصري دون هوادة، عازلاً حينا ومحاصراً حينا آخر، ملتهماً آلاف الدونمات، ومفسحاً المجال لسياسات وعمليات تهويدية جديدة، على رأسها ضم الكتل الاستيطانية الموجودة على أراضي الضفة الغربية لإسرائيل".
أخبرنا السفير الفلسطيني حكاية المواطن الذي فصلوا مزرعته، عن منزله، وبات عليه أن يسلك طريقا شاقة وطويلة، تنتشر فيها الحواجز الاسرائيلية، حتى يصل إلى المزرعة، ويعتني بها لسويعات قليلة، قبل أن ينتهي تصريح زيارته، ويقفل راجعا بذات المشقة التي جاء بها.
أخبرنا كذلك عن الأسير الذي يقبع في السجن منذ أكثر من ثلاثة عقود، وتم منع الزيارة عنه، حتى ماتت أمه من كمد الشوق إليه، وقضى والده قبلها حسرة على فراقه، وعن العذاب النفسي، الذي يعيشه في زنزانته.
وحدثني شاب فلسطيني عن مقتل جميع أفراد عائلته في غارة عدوانية، وعن هدم منزلهم، ودخوله السجن وتشرده بعد ذلك، ومع ذلك كان شامخا، عصيا على الإستسلام، ضاربا جذوره في الأرض، متمسكا بها، واهبا حياته لأجلها..
***
من الصعب أن تكتب عن فلسطين، كما تكتب عن بلاد أخرى.. وتروي حكايتها، وكأنها حكاية مدينة عابرة، فهنا تكتب عن الحلم، والأمل، والنضال، الحلم الذي ساقك للوقوف في هذه اللحظة التاريخية من عمرك، وتتأمل الصورة الماثلة أمامك، وتستعيد مشاهد عديدة، من كفاح هذا الشعب واستبساله للدفاع عن أرضه وحريته.
تكتب عن فلسطين، فتستنطق حكاية كل حجر حط في راحة طفل فلسطيني، وانطلق متحديا الرصاص والقذائف، وكل قطرة دم شهيد أو دمعة أسير، سقت تراب الأرض، وكل شجرة زيتون نبتت هنا، على أنقاض شجرة قتلتها جرافات الاحتلال.
أكتب عن فلسطين وقد جئتها محملا بوجع السنين التي سقطت فيها من ذاكرتي.. أنا الذي عددت ذات مرة زيارتها حلم يسكنه حلم عصي المنال.. دون أن أعرف من أين أبتدي الحكاية، وكيف أطوع حروفي لتنبض بكل هذا الألم الذي يسكنني.
 الألم ذاته الذي انفجر في أوردتي وأنا أحكي عن نيتي زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، ضمن فريق من الصحفيين العمانيين، حينها توالت عبارات التقريع والإستهجان، ممن وجد أن زيارتنا هذه تندرج في إطار "التطبيع"، والموافقة على التعامل مع سلطات الاحتلال لأخذ إذن الزيارة..
توالت الأسئلة حينها، عن أسباب ودواعي الزيارة، ولماذا رام الله والضفة الغربية، وليست غزة، ولماذا نرتضي دخول الأقصى بموافقة إسرائيلية، وما الداعي لزيارة الأراضي الفلسطينية وهي ما زالت ترزح تحت الاحتلال؟!.
كانوا يريدوننا أن نترك هذه الشعب ليموت، دون أن نعرف عنه شيئا، أو نأزره، ونشد من عضده، كانوا يريدون للمقولة الإسرائيلية أن تصدق قولها للفلسطينين، "أنكم وحدكم هنا، ولا أحد يهتم بكم"، كيف لي أن أشاطر أم الأسير، وهي تتخضب بالدمع، حزنا أن تموت دون أن ترى وحيدها، أو أقف قريبا من كهل فقد عائلته في قصف عدواني، وما عرف للحياة بعدها طعما، أو أبتسم للطفلة التي قفزت في حضني، وأنا خارج من باب العمود.
***
كل الأرض الفلسطينية عندي واحدة، ولا فرق بين زيارة غزة أو الضفة أو الخليل أو دخول القدس، ففي كل منها تضحيات لجيل ما عرف الخنوع، واستبسل في الدفاع عن أرضه وكرامته، لم يزده التهجير والتشريد والقتل والإذلال غير الرسوخ والثبات على مواقفه.. فهل علينا أن ندير ظهورنا لهؤلاء الأبطال، ونقاطعهم بحجة أنهم واقعون تحت الاحتلال؟.. ومتى كانت زيارة السجين تطبيع مع السجان؟.
ولأنني لا أريد الخوض كثيرا في معنى "التطبيع" ودلالته، فأقول، نعم لقد طبعنا مع الأم الفلسطينية التي انتظرت إبنها الأسير، كما طبعنا مع أطفال فلسطين وأبطالها، وقبلنا كل ذرة تراب وصلنا إليها، وسنعود ذات يوم لنقبل باقي الأرض المحررة..
وبعيدا عن الجدل، والاختلاف مع الزيارة أو الاتفاق معها، فقد كانت زيارة فلسطين أمنية أغبط نفسي على تحقيقها، وأجدني محظوظا، بكل لحظة قضيتها هناك، وبكل مشهدية كنت جزءا منها، وكل صورة كنت ضمن إطارها.. أنا الذي وددت لو طالت أيام بقائنا هناك، أو توقف الزمن حين وقفت على ربوة حديقة البروة، حيث يرقد شاعر فلسطين الكبير محمود درويش، وحيث يرفرف العلم الفلسطيني في الأعالي يعبّر عن حرية
وطن وإرادة شعب قدم الكثير من التضحية والمعاناة والصبر..
عبرنا من أريحا إلى رام الله، وذهبنا إلى أبوديس والخليل والحرم الإبراهيمي، ونابلس وجبل جرزيم وبيت لحم، ودخلنا القدس، وفي كل مكان كانت لنا حكاية، أو بمعنى آخر كان للأرض بوح من الحكايا.. وجدتها في الأم الفلسطينية المناضلة، أم الأسرى والشهداء، وفي الطفلة المقدسية ذات السبعة أعوام، وفي روح الشباب الفلسطينيين الذين رافقونا، ووجدتها في الضحكة التي أطلقها المزارع وهو يقاسمنا الفرح، حين مشاركتنا إياه قطف الزيتون، ورأيتها في كل بناء يقوم على هذه الأرض، في كل مدرسة تشيد، وكل مستوصف يقام، وكل طريق يعبد، وكل حياة تولد..
***
إنه شعب الجبارين.. تذكرت ذلك وأنا أقف أمام ضريح القائد الرمز، هذه العبارة التي سمعتها كثيرا هنا، كلما تساءلت عن سر هذا الصمود، وهذه القوة التي تجعل فتًا في ريعان شبابه، يواجه دبابة مدججة بأعتى الأسلحة، بصدره العاري، وينازلها بحجارة، ولا يخاف غدرها.
إنها الأرض.. التي عليها ما يستحق الحياة.. الأرض التي سمعتها تغني رغم الجراح، وتطرب رغم المأساة الرابضة فيها:
أنا الأرض
والأرض أنت
خديجةُ! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل.
إنها أرضنا.. ومن حقنا أن نفرح فيها.. يقول لي والد العريس، وهو يحتفي بإبنه في يوم زواجه، قبل أن يسحبني للمشاركة في الدبكة الفلسطينية.
لماذا تسحب البيارة الخضراء
إلى سجن, إلى منفى, إلى ميناء
وتبقى رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق
تبقى دائماً خضراء ؟!.
أنظر إلى جبال الأردن ونحن نعبر نحو جسر الملك حسين، ومنه إلى معبر الكرامة، هنا في مدينة الشونة الجنوبية في منطقة الأغوار تناثرت بضع محلات تجارية، توقفنا للتصوير لإستكمال تعبئة الإستمارة اللازمة لدخول الأراضي الفلسطينية..
كانت المنطقة هادئة في تلك الساعة الأولى من الليل، أخذها بعض الرفاق سانحة لشرب الشاي، وتخفيف بعض التعب، عدنا بعدها لنواصل المشوار، حيث بدت أضواء فلسطين تلوح من البعيد، وكنا نتأملها بكل شوق وفرح.


الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

من الوطن إلى محمود درويش .. أنا هنا.. وما عدا ذلك شائعة ونميمة !





لا يمكن أن تكون في رام الله، ولا تنزل في حضرة محمود درويش، وتُقرئه السلام، أو تطوف أرض فلسطين، وتنسى أن تمر عليه، وهو الساكن على ربوة قريبة منك، يناظرك بشطر، وشطر يئمم جهة القدس، العاصمة الأبدية والتاريخية لفلسطين.

لذلك كان السؤال الأول عنه، مذ أن وطئنا ترابها المقدس، وكانت زيارته تتأخر يوما بعد آخر، حتى كادت روزنامة الأيام تنقضي، ويأذن لنا بالرحيل، حينها، كان لا بد من إلغاء كل المواعيد، وتأجيل كل الزيارات، إلا محمود درويش، وكان لنا ذلك..


في الطريق إليه، كان السؤال الذي ينتابني، عما إذا كان درويش قد عرف الشخص الغريب، الذي مشى في جنازته، وما أسمه؟، وكنت أفكر ما إذا كان قد عرف ماذا وراء الموت؟ أو ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟.
نظرت من نافذة السيارة، وأنا أتأهب للقائي الثاني بدرويش، هذا الذي صمت الكلام في حضرته، ولم ينبس ببنت شفة.. متأملا رام الله من رابية حديقة البروة، ناظرًا نحو العَلم الفلسطيني وهو يرفرف عاليا.. من هناك تترأى غير بعيد ملامح مدينة القدس بمئأذن أقصاها الشريف، وبمساجدها وكنائسها ودورها، وهي تسمع خطوات الشاعر القادم إليها، تتشبث بعزيمة الصامدين فيها، وهي تؤكد، أنها ستكون كما كتبها في وثيقة الاستقلال، عاصمة لدولة فلسطين الحرة.

"أسير في نومي. أحملق في منامي.

لا أرى أحدا ورائي. لا أرى أحدا أمامي

كل هذا الضوء لي..".


أقف على درجات السلم الصاعد في الحديقة نحو مقام الضريح

والمتحف، فأرى الأرض الفلسطينية تسمق بالشموخ، والطرقات تعطرت بدماء الشهداء، واشتعال الورد مع الزعتر البلدي، وإفتتاح نشيد التراب، وكأني بدرويش يودع الأرض التي تمتصه الآن ملحا، وتنثره حشيشاً للحصان وللغزالة، كانت العصافير قد مدت مناقيرها، في اتجاه النشيد، وقلبه:

"أنا الارض

والارض أنتِ

خديجة ! لا تغلقي الباب

لا تدخلي في الغياب

سنطردهم من اناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل".


كانت رام الله تعيش على الفرح في ذلك اليوم، وتتأهب للقاء أبنائها الأسرى العائدين من سجون الإحتلال، وكأن درويش كان معهم، يحكي عن عودة الأسير:

"والعائدون إليك منذ الفجر لم يصلوا

هناك حمامتان بعيدتان

ورحلة أخرى

وموت يشتهي الأسرى

وذاكرتي قويّة".

 الصورة العامة للمكان، بدت من البعيد وكأنه كتلة بارزة في الفراغ، لكنه لم يكن كذلك، حين وصولنا إليه، فالحديقة مثل شجرة باسقة، مدت أفرعها لتصل إلى كل الجهات، وغرست جذورها، لتصل إلى كل الأمكنة، أينما يممت وجهتك، فثمة مدينة تنبض بالحلم الفلسطيني، من رام الله إلى الخليل، وحتى قرية البروة في الجليل مهد الشاعر، وحنينه الأبدي إليها، حيث عصافير الجليل مضت تبحث، خلف البحر، عن معنى جديد للحقيقة، وحيث أسم "البروة" يستقر في هذه الحديقة، ليكون ملازما لها، ورمزا لدفن الشاعر في الموطن الذي يحمل أسم ولادته.
هنا يتشكل المكان لوحة معمارية تمزج التراث بالحداثة، ويعكس جماليات الأرض الفلسطينية وخصوصيتها وتاريخها، ثمة أدراج حجرية تشق طريقها بين السناسل الصخرية إلى المرافق المتنوعة للمتحف، مساحات مفتوحة تضم حديقة تتمازج فيها مفردات الريف الفلسطيني، ومسرحا مكشوفا يعلوه مدرج يتسع لنحو خمسمائة شخص ومنبرا حرا بجانبه يرمز إلى الحلم والحياة، ثم ساحة فسيحة تقود إلى ضريح درويش، الذي يتوسط دفتي كتاب المتحف (المسرح وقاعة المتحف).  

تكوين هندسي بديع، صاغه بإحتراف المصمم المعماري الفلسطيني جعفر طوقان، إبن شاعر فلسطين الكبير إبراهيم طوقان، وخط على ركن بارز قريبا من الضريح عبارة "من الوطن إلى محمود درويش".. مختصرا كل الدلالات التي تفسر حكاية (الوطن ومحمود درويش)، والآلفة بينها، فحين ينهض الوطن، ويحلق كما النسر، ينطلق صوت الشاعر مناجيا أياه: "وطني! يا أيها النسرُ الذي يغمد منقار اللهب

في عيوني،

أين تاريخ العرب؟

كل ما أملكه في حضرة الموت:

جبين وغضب.

وأنا أوصيت أن يزرع قلبي شجرة

وجبيني منزلاً للقُبَّره.

وطني, إنا ولدنا وكبرنا بجراحك

وأكلنا شجر البلّوط...

كي نشهد ميلاد صباحك".


ولأن مفردة الوطن لازمة في قصائد درويش، ويتشكل حضورها بتنويعات عديدة، فأن أرضه تحقق أمنية الشاعر، في الاستقرار على تربته:

"إلهي أعدني إلى وطني عندليب

على جنح غيمة

على ضوء نجمة

أعدني فلّة

ترف على صدري نبع وتلّة".


هنا يسكن الضريح تحت شاهدة صخرية عالية، وقد حفر عليها قول درويش: "أثر الفراشة لا يرىُ، أثر الفراشة لا يزول".

ثمة أزهار فوضوية اللون كما وصفها درويش، في جداريته تحيط بالضريح:

"متران من هذا التراب سيكفيان الآن...

لي متر و75 سنتمترا


والباقي لزهر فوضوي اللون..

يشربني على مهل".


في وصيته كتب محمود درويش، إنه يريد "أكاليل من الورد الأحمر والورد الأصفر، لا أريد اللون الوردي الرخيص، ولا أريد البنفسج لأنه يذيع رائحة الموت".

وعلى الضريح، نطالع مقطع من قصيدة "يطير الحمام".. " ونم يا حبيبي. عليك ضفائر شعري، عليك السلام"..
قريبا من هذا المكان، كانت ثمة فتاة عشرينية، تحكي للرفاق الصفحة الأخيرة من حياة درويش، وتروي عن رحلته الأخيرة إلى هيوستن، وعن تفاؤله، والضحكة التي أطلقها قبل أن يصعد الطائرة، "كان متفائلا بنجاح العملية الجراحية قبل إجرائها له في مستشفى بمدينة هيوستن في ولاية تكساس الأميركية، وكان يتصرف على أنها إجراء طبي عادي".. لكن قلب محمود درويش توقف عن النبض، دون أن يكتب جدراية أخرى، فقد صدقت النبوء هذه المرة، وكان جناح حمامة بيضاء يحمله صوب طفولة أخرى.

لم أكن أرغب في سماع باقي الحكاية.. فقد عاد درويش محمولا على أدمع رفاق مسيرته، في الجنازة التي رسم معالمها في وصيته: "أريد جنازة حسنة التنظيم، يضعون فيها الجثمان السليم، لا المشوّه، في تابوت خشبي ملفوف بعلم واضح الألوان الأربعة، ولو كانت مقتبسة من بيت شعر لا تدل ألفاظه على معانيه، محمول على أكتاف أصدقائي، وأصدقائي – الأعداء".
في المتحف، حيث كنت أسير قريبا من الصور والكلمات، وبعض المقتنيات التي تؤرخ لحياة درويش، وترسم تفاصيل المكان، وسيرورة الأشياء التي تعامل معها، وتتردد بين جدران المتحف الصغير، المكتظ بالتفاصيل، قصائد تجمعها مفردات الوطن، الأرض، القرية، الحب، الحريّة، الحُلم، الكفاح، الصمود، الواقعيّة، الأمل، الطموح، الحنين، الهويّة، السلام، الرمزيّة، كلها محمود درويش، وكلها صفات شكّلت شخصيّته كشاعر ومناضل وانسان، هنا نقرأ مقطع من قصيدته الشهيرة "الجدارية":

"واسمي، إن أخطأت لفْظ اسمي

بخمسة أحْرفي أفقيٌةِ التكوين لي:

ميم/ المتيٌم والميتٌم والمتمٌِم ما مضي

حاء/ الحديقة والحبيبة، حيرتانِ وحسرتان

ميم/ المغامِر والمعدٌ المسْتعدٌ لموته

الموعود منفيٌا ، مريض المشْتهي

واو/ الوداع ، الوردة الوسطي ،

ولاء للولادة أينما وجدتْ ، ووعْد الوالدين

دال/ الدليل ، الدرب ، دمعة

دارةٍ درستْ ، ودوريٌ يدلٌِلني ويدْميني/

وهذا الاسم لي

ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي".


ويرتسم مقطع صغير من قصيدة "الآن في المنفى"، على ركن
صغير:

"قل للغياب:


نقصتنَي!

وأنا حضرتُ..

أٌكملك".


تصميم المتحف من الداخل، يشيء بمفردة الغياب، فالاضاءة الخافتة، والمقتنيات المحفوظة خلف الزجاج، والأوراق المتناثرة في إحدى المناضد وسط المتحف، وصور درويش في مراحل حياتية مختلفة، كلها توحي أن ثمة غياب كتب هنا، سيما مع تردد صوت درويش وهو ينبعث بداخله، يدللنا عليه، أنه هنا وما عدا ذلك شائعة ونميمة!.

"وكأنني قد متُّ قبل الآن...

أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني

أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ. رُبَّما

ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ

ما أُريدُ...

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ".


ولوحة زجاجية تخبيء بعضا من تاريخ محمود درويش، وتستهل سيرته بالمقطع الأخير من قصيدته "أنا من هناك"..

"أنا من هناك.

أعيد السماء إلى أمها حين تبكي السماء على أمها،

وأبكي لتعرفني غيمةٌ عائدهْ.

تعلّمتُ

كل كلام يليقُ بمحكمة الدم كي أكسر القاعدهْ

تعلّمتُ كل الكلام، وفككته كي أركب مفردةً واحدهْ

هي: الوطنُ..".


وتتوالى "الجداريات" بين مقطع قصير، وآخر أطول، وفي

المقابل يطل درويش بحضوره المميز، على شاشة عرض كبيرة، وهو يلقي بعضا من قصائده، وتتشكل حروف الأبجدية لتسكب جمالياتها على النصوص المتوالية على جدران المتحف. وفي أحد أركان المكان يتربع مكتب محمود درويش الذي تنقّل معه من باريس إلى عمّان، قبل أن يستقر في مكانه هنا، وقريبا منه، تتوالى مقتنياته الكثيرة، التي صفت بإنتظام هندسي، فنجان قهوته، والإبريق الذي كان يعدها فيه، ونظارته، وجوائزه وأوسمته كلها معلقة على جدار من طين
قريته البروة، وبطاقته هويته الإسرائيلية وجواز سفره، وتذكرة سفره الأخيرة إلى هيوستن في 29 يوليو 2008م، وأعداد من مجلة الكرمل التي أسسها محمود درويش في بيروت وظل رئيسًا لتحريرها ورفيق ترحالها حتى وفاته، قبل أن تخفت وتموت هي الأخرى في ربيع 2009م.

وتنتظم في أحد الزوايا مجموعة من الصور لدرويش، توثق بعضا من حياته ونضاله، فهنا مع الشهيد الرمز ياسر عرفات، وهناك مع الأيقونة الثقافية لفلسطين فدوى طوقان، وثمة صورأخرى تجمعه مع أدورد سعيد ومراسيل خليفة وزعماء فلسطينيون وعرب، وصور أخرى مع أمه التي حنّ إلى خبزها وقهوتها، ولمستها.

وفي ركن من المتحف تتناثر بعض المخطوطات كتبها درويش

بخط يده، ومن بينها وثيقة الاستقلال التي أحكم الشاعر الراحل صياغتها بأجمل وأقوى الصياغات الأدبية، وقصاصات من صحف ومجلات تحوي نصوص وقصائد وإفتتاحيات لمحمود درويش، وبعض من القصائد والنصوص كتبها في أواخر حياته بخط جميل ومرتب، وبطريقة بديعة ومنمقة، ومن بينها قصيدة "المطر الناعم في مدينة بعيدة"، ومقاطع من قصيدة "طروادة" وقصيدة "على محطة قطار سقط عن الخريطة".. كتبها في 15 مايو 2008م، بمناسبة ستون عاما على نكبة فلسطين، أي قبل رحيله بثلاثة أشهر:

"وقفتُ في الستين من جُرحي. وقفتُ على

المحطة، لا لأنتظرَ القطارَ ولا هتافَ العائدينَ

من الجنوب إلى السنابل، بل لأحفظَ ساحل

الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي".

خارج قاعة المتحف، ثمة محل صغير لبيع الهدايا التذكارية، ودفتر لكتابة انطباعات الزوار وكلماتهم.. من هناك شاهدت رجلا غريبا مطأطئ الرأس، يتجه ناحية الضريح، ويضع أكليل من الورد، قبل أن ينصرف.. لم أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟.



رام الله ـ في 22 أكتوبر 2013م


أقرأ أيضا :