الأحد، 10 أكتوبر 2010

همـس القاهــرة




ان تشعر بكل متع السفر، وتأتي على كل فوائد الترحال، ان تعيش أحاسيس متناقضة، ومشاعر متضاربة، وتجد ذاتك تتنازع بين المكوث في هذه المدينة والرحيل عنها، فلأنك في القاهرة.. تأتيها زائرا بعدما نازعتك نفسك نحوها، تعيد اكتشافها، وأنت العليم بتفاصيلها، تبحث عن "المغاير" لتصل إلى "المألوف"..

القاهرة.. أي قدر قذفك ثانية في هذه المدينة، الضاجة بالتفاصيل، المزدحمة بالأحداث، الممتلئة بالحكايات؟!، تنظر إليها من شرفة فندق بارميزا في الطابق الثالث منه، فترى الصورة أمامك متشكلة كما تعرفها، من البعيد يلوح مبنى الأوبرا المصرية، يصلك نحوه خيط ضئيل، يكبر كل ما تأملت التفاصيل حوله، أكداس من البشر تغدو وتروح، تحمل على أكتافها حكايات مثقلة بالوجع، ومثخنة بالحياة، لا تدري أي خاتمة ستسدل الستار على مشوارها..

المركبات تنقل المستضعفين في الأرض، وهي تئن من الحمولة، والفضاء ضاق بها، وذو البدلة الأنيقة في السيارة الفارهة، ينظر متأففا إلى ذو الملابس الرثة، في حافلة مكتنزة بالركاب، دون أن يفطن، إن الأخير ينظر إليه كذلك متأففا.
على ناصية الشارع، يفترش احدهم الأرض، ينتظر من يعطف عليه، وأقدام المارة، تسير دون أن تتوقف لتستمع شكواه، ويقرأ في احذيتهم سماتهم، ويعرف منها اثريائهم وفقرائهم، فيرفع البكاء حينا، ويخفته حينا آخر.

والنيل.. يمضي كما الحياة، هادئا، وادعا.. فوحده الشاهد على حكاية طويلة، ليس لها بداية وليس لها نهاية، يمضي يسامر العشاق، وهو لا يعرف أين مبتدأ حكايتهم، ولا أين خاتمتها، يطوق القاهرة، كمن يتلصص على اسرارها.. وللقاهرة ألف سر وسر..
المشاعر التي انتابتك لحظة وصولك إليها، تعاودك من جديد، صوت النداهة يتردد على اسماعك، يأخذك من مكانك، ليقودك إلى حيث يريد، وأنت تنقاد إليه خاضعا مستسلما، تمضي جهة الصوت الخفي، وأنت لا تعرف أكان هذا الذي يدعوك "عشقا" يحن القلب إليه، أم "وهما" يفر المرء منه..

أأحببت القاهرة يوم جئتها أول مرة؟، أم هربت منها؟!.
تصطدم بالسؤال.. فتنزل من عليائك، تفتش عن إجابة "حائرة" لسؤال "حائر".. وتمضي وحيدا هائما، أمواجك تضطرب على صورة المدينة، حين تلج دروبها وميادينها..

وحدها القاهرة.. وليست أي مدينة أخرى، من تمارس الغواية، وتثير شهية العابرين.. تبسط مفاتنها، لمن تشاء، وتقبضها عمن تشاء.. وفي كل مرة، تأتي وتروح والسؤال يكبر ويتعاظم: أأحببت القاهرة؟، أم هربت منها؟!.

أمضي في الشارع وحيدا.. اقطع المسافة الواصلة بين بارميزا والأوبرا... انعطف من شارع بارميزا نحو شارع مجلس الدولة، دون أن أأهبه للهيب الشمس القائظة.. والحرارة الملتهبة، اتوقف قريبا من شارع التحرير، أتأمل المنظر من حولي، كم من صورة تناسلت عن هذا المكان!... وكم من العشاق توقفوا برهة هنا أو هناك.. ليكتبوا فصول حكايتهم، ويكون النيل شاهدا عليهم.. وكاتما لأسرارهم؟!.

يمسك أحدهم بيد حبيبته في أول شارع التحرير، ثم يتركها في آخر الشارع، وكأن الحكاية لا تحتمل أكثر من هذه المسافة.. ويبتسم سائق "تاكسي" لمار في الطريق.. فيلعنه بعدئذ في المحطة التالية، يطأطئ عجوز رأسه وهو يمضي في الشارع، ثم يرفعه مزهوا في خطواته التالية.. أحدهم يلتقط بعدسته صورا للمشهد، وفي الجانب الآخر هناك من يلتقط صورا له.. لا أحد يعرف على وجه الدقة، من يراقب من.. ومن يضحك على من؟!..

أتوقف عند ميدان الأوبرا تنازعني نفسي بين الدخول إليها، وتأجيل ذلك، لغرض في نفسي.. احسم الأمر، بأن أشير لسيارة أجرة تأخذني.. حيث شاء لي الهوى..
وسط البلد.. ميدان طلعت حرب.. مكتبة مدبولي.. دار الشروق.. بنك مصر.... أحوم حولها وسائق الـ "التاكسي" نسخة من سائق "خالد الخميسي"، يقول كل شئ.. ويتحدث في كل شيء..
ـ البلد ده غالية عالينا أووي.. بس ولاد الحرام .....
أصم أذاني عن باقي الحديث... فكل فصل أصعب من سابقيه.. وحكاية هذا السائق، تتناسخ في كل الأفواه وعلى كل الألسنة، وكأن تفاصيل الحكاية ذاتها، تزورهم بذات لباسها، الواحد تلو الآخر..
ـ تصور يا بيه.. الواحد يشقى طول النهار وفي الآخر ولاد الحرام...
أتأمل في كلامه، الوجوه المنعكسة على مرآة السيارة.. محاولا تبيان صورتها، لا اعرف أيهم يضحك من حاله، وأيهم يبكي عليه..

يثرثر سائق التاكسي، فآخال قدرتي على تأليف كتاب يضاهي ما كتب عنهم في اشهر وسنوات، أنظره، وحين ينتبه لنظراتي الغاضبة، يدير دفة الحكاية، فيتحول سخطه على كل شيء، إلى فرحه بكل شيء..
ـ إحنا غلابة يا بيه، لو مش ح نضحك، ح نموت من الهم..
أتذكر قول آخر: هم بيضحك .. وهم بيبكي.. واحنا محناش عارفين بنضحك ولا بنبكي ..
اطلب من السائق أن يتوقف بي، اشعر بروحي تناجي المدينة، وأنا استمع إليها.. اقف في موضع استعيد ذاكرة الرحلة الأولى.. افتش عن الأسماء، واسترجع الصور المحفوظة.. اعرف هذه المكان، قرأته وسمعته قبل أن ألج إليه..

لا يمكن أن تشعر بغربة في القاهرة، حتى وأنت تأتيها "تائها" و"هائما" في زيارتك الأولى، ثمة امكنة تعرفك وتعرفها قبل أن تدخل بوابتها.. كل "غريب" هنا "مألوف" بالنسبة إليك.. تعرف تفاصيله كما كانت، ثم ألت إليه..

سائق التاكسي ينتظرك قريبا.. وهو يرمق "جنونك"، ويستحثك على المسير.
ـ هو أنت يا بيه لو عايز اوديك في أي حته، ما تشاور لي عليها.
لا مكان محددا لك.. كل الأمكنة تشتاق إليك، وكل الدروب تسعك على اكتظاظها،  والميادين تشتاق إليك، تود لو ان بينها وبينك ودا دائما ، وذاكرة تشتعل كل حين..
ـ والنبي يا بيه ..
تشعر إنك مطارد في تأملاتك، وفي مناجاتك.. تفتح عينيك ثم تغمضها، تأخذك القاهرة إلى اعماقها، تغوص بك في احشائها، ثم تحلق في سماواتها.. تنظر إليها من كل الزوايا، تشعر بها جسدا لا ينفصم جزءا منه عن جزء..
ـ ربنا يجزيك يا بيه..
تتوالى عليك الأمكنة..
وتحوم حولك الشخوص..
وذاكرة الزيارة الأولى تعيد تشكيل ذاتها..

تندفع دون أن تدري إلى مقعدك وأنت تشير إلى السائق ليأخذك إلى خان الخليلي والحسين.. ودون أن تأبه لتعليقاته.. وما يتلوه عليك من اسطوانة متكررة..
ييأس منك.. يعرف ان الحديث معك لا يفيد.. يشعر بجنونك.. فيمضي مسرعا على ايقاع اغنية تصرخ وتعوي.. ويصرخ هو معها: قالو عنها ام الدنيا، وانا نفسى اقول بقى حاجة تانية، لو قلبك عليها هتخليها اجمل من كدا مليون مره.
ـ ممكن الست؟؟..
يناظرك غاضبا.. ثم يقذف ويلاته شرقا وغربا.. ويلعن المارة وقائدي المركبات.. ثم يصل بلعناته على الأتوبيسات التي تنافسهم في ارزاقهم، وتجعلها عرضة لنقل المجانين امثالي..
يستبدل الشريط وهو يواصل التأفف والتذكر..

يأتيني الصوت هادئا متناغما مع لحظة التأمل الوجداني التي أستمع فيها لروحي وهي تحاور الأمكنة..
أنا وحبيبي يا نيل..
نلنا أمانينا..
مطرح ما يرسى الهوى..
ترسى مراسينا..
وكان أن رست مراسينا عند نفق المشاة القديم الفاصل بين الأزهر والحسين.. وأقذف نفسي في قهوة الحرافيش انتظر صاحب شهرته أن يطل علي، ويحكي لي عن روايته التي لم تصدر بعد.. لكنني اتقابل بديلا عنه، مع باعة متجولين يبيعون التراب مسكا.. والنحاس ذهبا.. يريد هذا ان يلمع الحذاء.. وذلك ان يبيعني الهواء..

اطلب كوب الشاي.. فيأتيني معه الفستق والبندق.. ثم فاتورة طويلة بكل كوب ماء شربته، وهمسة هواء تنشقتها، وبكل لحظة جميلة عشتها في هذا المكان، ابحث عن ذاتي الغائبة فيه منذ زيارتي الأولى.. فلا أجد غير صورة متكررة، بكيفيات مختلفة.
ـ والنبي يا بيه..
أدفع مكرها.. وأنا أكرر لعنات سائق التاكسي التي أسمعني إياها قبل قليل.. أهرب من عالمي إلى عالم آخر، أشعر فيه بسمو روحي.. أدخل مسجد الحسين سالما آمنا .. يأخذ حارس المسجد حذائي ويعطيني رقما بدلا منه.. ثم اطوف مع الطائفين حول رأس الحسين المسجاة في تخت يتوسط المصلى.. وعليه لحاف من استبرق.. اشعر أن بيني وبين القاهرة أمدا بعيدا .. وانني وقد انفصلت عن العالم السفلي، الساكن خلف ابواب الجامع، أبتهل بما احفظه من الادعية والاذكار.. اذرف الدمع.. واصلي طلبا للمغفرة.. ثم انسحب من المكان، لتتقاذفني الجموع المحتشدة حول الحسين إلى الخارج ، حيث الكل ينتظر اشارة  مني ليقلني إلى أي مكان أريد ..
شارع جامعة القاهرة.. ميدان الجيزة.. تفريعة الكوبرى.. شارع الهرم..

في اللحظة الزمنية التالية ، اجد نفسي تصفق لراقصة وهي تتماوج بجسدها على أنغام كانت ذات مرة "اصيلة"..
ألم أقل لكم إنها مدينة التناقضات..
والمشاعر المتماوجة..
والأحاسيس المبهمة..

اقف في اعلى نقطة يمكنني الوصول إليها.. انظر للنهر وهو يجري.. لكوبري التحرير.. وقلعة صلاح الدين.. والنادي الأهلي ودار الأوبرا تمتد امامي لتلقي مع المتاحف ومراكز الثقافة والابداع.. ومراكب النيل تمخر عباب النهر.. وانا في مقامي هذا.. ارفع راحة يدي، كما التمثال الذي ابصرته قبل قليل..

هي ذي القاهرة.. أيها المسكون بها، العاشق.. الراهب منها.. تقلب صفحاتها نحوك، وأنت تفتش عن ذاتك الغائبة في دروبها، وازقتها، وميادينها، وتبحث عن إجابة حائرة لسؤال حائر: أأحببت القاهرة يوم جئتها مرة أخرى؟، أم هربت منها؟!.

القاهرة في 10 أكتوبر 2010

الاثنين، 11 أغسطس 2008

مـات فخجـل من دمـع أمـه




أحنُّ إلى خبز أمّي
وقهوة أمّي
ولمسة أمّي..
وتكبر فيَّ الطفولة
يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأنّي
إذا مُتّ،
أخجل من دمع أمّي!
محمود درويش
(1)
وقد سال الدمع .. وارتحل الفارس تاركا الحصان وحيدا، كانت لحظة الفراق هذه، بكائية كما هي البكائيات التي تضج بها كلمات الفارس، التي رغم الحزن والألم الطافح فيها، تبقى شامخة، صامدة، مكابرة، لا تستكين للهزيمة ولا ترضى بالذل والخنوع.
كان خبر الرحيل، صدمة كبيرة، أفقنا منها للحظات، ثم كان الخبر اليقين.. محمود درويش مات..
هذا الشاعر الذي قدر له أن يعيش بين المنافي والسجون، يحمل على أكتافه عذابات اغتصاب الأرض، وتدنيس الحرمات.. يحكي بإصرار الواثق من العودة إلى الوطن، ليعيد تشكيل الطفولة والحكايات الجميلة.. يرحل هذه المرة، رحيلا أبديا، وكأني بالموت يطرق بابه، ويتكئ قرب سريره، يستمع آخر قصائده، قبل يطوقه، ويعلن ساعة الرحيل.

(2)
لم يكن يريد أكثر من طوق الحمامة وشارع ضيق..
لم يكن يريد أكثر من حياة حقيقية يعيشها متحررا من ضغط الواقع والأسطورة..
لكن ذلك كان بعيد المنال..
لكنه ليس بالمستحيل..
كان كما العودة الأزلية إلى الأرض المقدسة..الأرض التي بورك فيها..
هناك في الجليل، كانت تفوح رائحة الوطن، ورائحة الأم، وما بينهما ارتباط وثيق، يكمل بعضهما بعضا.. بين الحنين للوطن، والحنين للأم، تبزغ قصيدة تنطق عن هوى القلب، وشغافه، وتسابق لعناق دائم، يضم الجسد في الأرض المباركة.. كان يزداد قربا من وطنه وأمه كلما ابتعد عنها.. لتكبر ملحمة خالدة، تخلد بخلدوها قضية الوطن، الذي صار مغتصبا، والشاعر الذي صار منفيا..

(3)
في أحد حواراته لم يخف محمود درويش خوفه من الموت.. لكنه عاد مؤكدا إنه لم يعد يخشاه كما كان من قبل..
ثم نظر إلى الموت المتربص به، المتحاور معه، في ميتافيزيقية دينية وفلسفية، كان الموت يحيط بمحمود درويش منذ أن قذف رصاصته/ كلماته الأولى، منذ أن علا صوته جهارا بحق العودة، وحق الوجود.. صار مطاردا.. ومنبوذا من العدو.. إطلالته كفيلة ببث الرعب في أعدائه.. وحين يواجهه الموت، يشير إلى قلبه وهو يخاطب المنون: اقتل هذا، ولا تقتل كلماتي..
محمود درويش الذي كان يحب الحياة البسيطة، كان يخاف من الموت الذي يشل القدرة على الكتابة، وعلى الحياة، وكانت في المخيلة ترتسم صورة الشاعر معين بسيسو الذي مات وحيدا في الفندق، دون أن يعرف عنه أحد.. بعد ما أغلق غرفته، وحط على بابها إشارة "الرجاء عدم الإزعاج".. فإزعجنا الموت برحيله..
أخشى موت قدرتي على الكتابة..
وغير ذلك لا شيء..
لا شيء يخيف الشاعر الذي ظل في مواجهة دائمة مع الموت، وظل الموت محورا للكثير من اعماله وابداعاته.. وفيه كتب ابدع نصوصه.. "أيها الموت انتظرني خارج الأرض لم، يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة.. أيها الموت انتظرني خارج الأرض انتظرني في بلادك ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي قرب خيمتك، انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهش حيث ولدت حيث سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين وعن صمود التين والزيتون في وجه الزمان وجيشه".
(4)
لم تكن المرة الولى التي يفتح الأطباء فيها قلب محمود درويش.. وينظروا صورة الوطن المحفور في شريانه.. كان في كل مرة يفوق فيها يكتب رائعة، تشير إلى صراعه الأزلي مع الموت، ومقارعته له، يهزمه، فينتصر عليه..
في جدرايته الرائعة.. كتب ذات إبداع.. "هذا هو اسمك.. قالت امرأة وغابت في الممر اللولبي.. أرى السماء هناك في متناولِ الأيدي.. ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى.. ولم أحلم بأني كنت أحلم".
كل شيء كان متوقعا لدرويش.. إلانا.. لم نعرف إن الأطباء بعدما فتحوا قلبه للمرة الأخيرة، وجدوا أن وطن كبر، وما عاد البعد عنه يجدي.. لذلك.. آثر محمود درويش أن يموت الجسد، ليرقد في الجليل، حيث رائحة الأم ورائحة الوطن.. مات محمود درويش، وبقيت الكلمات خالدة.. تقارع الأعداء.. خذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة.. وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفو.. إنكم لن تعرفوا.. كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء..

(5)
في لقاء يتيم جمعني به وجها لوجه، خانتني الكلمات، وتلعثم لساني عن النطق حتى باسمه، وجدته هكذا فجاءة امامي، بقامته الشامخة، بكبرياء الشاعر، وعنفوان القصيد الذي يكتبه، كنت احاول لم حروفي، وربط كلماتي..
ولم أستطع إلى ذلك سبيلا..
كل ما قمت به، إنني نظرت إلى وجهه، وقرأت في قسماته، ما أقرأءه في قصيده، نظرت الى خبز أمي، والى يوسف واخوانه، والى المارون عبر الكلمات العابرة، والى الحصان الذي ترك وحيدا.. والفراشة التي لم يعد لها أثر.. الى الحصار المرتسم في عينيه، الى المنافي التي تتقاذفه في دهاليزها.. وحقيبته التي يحمل بدخلها بطاقة هويته العربية..
ونظرت الى الأرض المقدسة.. والى الذين اسقطوا اسمها من جواز السفر..
وقرأت بين عينيه، لغة المنفى والبعد عن الوطن، وكأني بالدمعة التي انساحت ذات صباح من عينيه، والتي هلت لأن ثمة وطن محفور في قلبه، لم يعد في مكانه.. لأن بيته الذي شهد طفولته لم يكن هناك.. ولم يكن هناك اصدقاء الطفولة، ولا وجد ضحكاتهم.. وحكاياتهم البريئة..
وحيدة..
امه تنتظره..
كما تنتظر عودة الأرض.. وازهار الياسمين والبرتقال.. يناجيها.. خذيني أمّي إذا عدت يوماً وشاحاً لهدبك.. وغطّي عظامي بعشب.. تعمّد من طهر كعبك.. وشدّي وثاقي.. بخصلة شَعر.. بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك.. عساني أصير إلهاً.. إلهاً أصير..إذا ما لمست قرارة قلبك!.

(6)
كان محمود درويش ينظر إليّ في ذلك اللقاء اليتيم.. وهو ينتظر نزول المصعد ليقله الى الطابق الرابع، حيث تلتئم اسرة "كتاب في جريدة" التي كان واحدا من افرادها.. واعمدتها الذين يمضي المشروع التنويري، شاقا طريقه نحو اهداف وغايات جليلة اقلها تنوير العقل العربي، ونشر الثقافة المعرفية في الوطن العربي، واهداف أخرى عديدة..
كانت ارقام المصعد تتوالى.. وأنا بين الرقم والآخر.. ادعو الله تعالى أن يتأخر وصوله إلينا، كيما أقرأ ما استطيع من كلمات.. واغوص في يمّ المعاني.. واردد معه لاشعوريا.. سجل... انا عربي.. واعمل مع رفاق الكدح في محجر.. واطفالي ثمانية.. اسلّ لهم رغيف الخبز والاثواب والدفتر.. من الصخر.. ولا اتوسل الصدقات من بابك.. ولا اصغر امام بلاط اعتابك.. فهل تغضب؟..
(8)

المصعد يفتح..
يدخل محمود درويش..
أدخل أنا..
ويتحرك المصعد.. لكن روحي ظلت معلقة في الجسد المقابل لي، أناظره، قبل أن أتلقى ابتسامة وجيزة، أحضنها بتروي.. وأشم فيها انفاس المحارب الذي لم يشاء أن يترك الحصان وحيدا، دون أن يشهر سيفه/ بطاقة هويته، ويعلنها بكل اعتزاز.. أنا عربي.. ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْا..
يآآآه .. أي قدر هذا يجمعك بقامة شعرية كبيرة، ولا تقوى على النبس بنبت شفة.. والكلمات لا تفارق شفتيك، وكل ما تقدر على فعله، رسم ابتسامة تحية، تتمنى لو لم تفارق وجهك.. تنظر جهة الأرقام.. تحسبها تمر مر السحاب، وهي تتبدل كلمح البرق..1..2..3.. 4..
يتوقف المصعد..
يفتح الباب.. ينظر إلي ثم يمد يده مشيرا إلى الخارج
ـ تفضل.
ـ ....
 (9)
لا أدري كينونة الأقدار التي تقذفنا للقاءات وجيزة.. في لحظات عابرة، تغادر الذاكرة سراعا كما جاءت كذلك..
أعرف محمود درويش عبر اشعاره ونثرياته، وكثيرا ما استمعت إليه وهو يقذف رصاصه جهة المغتصب، ويبث العزيمة والحماس في قلوب قراءه ومستمعيه، كان يرفع يديه ـ المفارقة إن الصورة التي ارتسمت في خيالي، هي ذات الصورة التي ذكرتني بموته ـ وهو يقول: كم كنت وحدك.. كم كنت وحدك.. هي هجرة أخرى.. فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما.. سقط السقوط، وأنت تعلو.. فكرة.. ويدا.. وشاما!.
وانهض من مكاني عن بعد..
اشعر إنه يستحثنا للإعتزاز بالنفس..
للوثوق بالغد القادم، الذي يندحر فيه المغتصب وتعود الأرض ترفل بثمار الزيتون والبرتقال.. ويعود الفارس إلى الجليل، يسبقه شوق الحنين الى خبز امه.. والى كرمات العنب ورائحة البنفسج والياسمين.  وحكايا الطفولة.. كأنّي أعود إلى ما مضى.. كأنّي أسيرُ أمامي.. وبين البلاط وبين الرضا.. أعيدُ انسجامي.. أنا ولد الكلمات البسيطة.. وشهيدُ الخريطة.. أنا زهرةُ المشمش العائلية.. فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل.. من البدء حتّى الجليل.. أعيدوا إليّ يديّ.. أعيدوا إليّ الهويّة!.
(10)

في 10 اغسطس 2008 اختطف الموت شاعر آخر، بعد أن تربص به طويلا..
هزمه فانتصر عليه ..

مسقط ـ في 11 أغسطس 2008